خطوة استراتيجية لتعزيز الاستقرار في جنوب لبنان
في تطور ميداني وسياسي بالغ الأهمية، بدأت الدولة اللبنانية تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق الإطار الأمني عبر تعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوباً، وهي خطوة تهدف إلى إعادة بسط سيادة الدولة الكاملة على أراضيها وإنهاء حالة التوتر التي خيمت على المنطقة لأشهر. وتأتي هذه العملية في سياق جهود دبلوماسية مكثفة، حيث أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل يمثل شرطاً أساسياً لترسيخ الاستقرار، وهو ما نقله بوضوح خلال لقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض.
تتزامن عملية الانتشار مع استمرار التوترات الميدانية، حيث سُجلت احتكاكات بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، مما يسلط الضوء على حساسية الموقف. وتضع هذه المهمة الجيش اللبناني أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في نزع سلاح حزب الله في مناطق الانتشار، تمهيداً لانسحاب إسرائيلي تدريجي ومنظم.
خلفية متوترة وقرارات دولية
لم يكن الوضع في جنوب لبنان وليد اللحظة، بل هو نتاج عقود من الصراعات والتوترات على الحدود. لطالما شكلت المنطقة نقطة احتكاك رئيسية، وتفاقم الوضع بشكل كبير بعد اندلاع المواجهات الأخيرة التي بدأها حزب الله، والتي قادت إلى رد عسكري إسرائيلي واسع أسفر عن احتلال أجزاء من الجنوب. وتستند الجهود الحالية إلى مرجعيات دولية، أبرزها قرار مجلس الأمن الدولي 1701 الصادر عام 2006، والذي دعا إلى وقف الأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، ونشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل في الجنوب، وجعل المنطقة خالية من أي مسلحين غير القوات الشرعية اللبنانية.
تفاصيل انتشار الجيش اللبناني جنوباً وتحديات الميدان
بدأت القوات المسلحة اللبنانية بالفعل عملية الانتشار في “المناطق التجريبية” المحددة ضمن الاتفاق، مثل بلدة زوطر الغربية. وأعلن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن الدولة ماضية في استكمال انتشار الجيش، مؤكداً أن هذه الخطوة هي المدخل لاستعادة سلطة الدولة وتوفير الأمن للمواطنين. وأوضح ميقاتي أن الحكومة ستعمل بالتوازي على فتح الطرق وإزالة الركام وإعادة الخدمات الأساسية، بما يتيح للسكان العودة إلى قراهم ومنازلهم بأمان وكرامة بعد أشهر من المعاناة. ومع ذلك، لم تخلُ العملية من تحديات، حيث أعلن الجيش اللبناني تعرض قواته لإطلاق نار من الجانب الإسرائيلي، بينما برر الجيش الإسرائيلي ذلك بأنه “طلقات تحذيرية” بعد دخول القوات اللبنانية إلى منطقة خارج النطاق المتفق عليه، مما يظهر دقة وحساسية تنفيذ الترتيبات الأمنية على الأرض.
أبعاد استراتيجية وتطلعات للمستقبل
يحمل نجاح هذه المرحلة أهمية استراتيجية تتجاوز الحدود اللبنانية. فعلى الصعيد المحلي، يمثل بسط سيطرة الجيش اللبناني استعادة لهيبة الدولة ومؤسساتها الشرعية، ويعطي أملاً بعودة الحياة إلى طبيعتها لمئات الآلاف من النازحين. أما إقليمياً ودولياً، فيُنظر إلى هذه الخطوة كاختبار حقيقي لمدى جدية الأطراف في خفض التصعيد على واحدة من أكثر الجبهات توتراً في الشرق الأوسط. إن نجاح الجيش في مهمته سيمهد الطريق لانسحابات إسرائيلية من مناطق أخرى، وسيعزز موقف لبنان في أي مفاوضات مستقبلية، بدعم من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الساعي إلى منع نشوب حرب واسعة النطاق.


