تصعيد عسكري غير مسبوق في المنطقة
في تصعيد هو الأخطر منذ عقود، دخل القصف الأمريكي على إيران ليلته الحادية عشرة على التوالي، حيث وسّعت القيادة المركزية الأمريكية نطاق عملياتها العسكرية لتشمل أهدافاً استراتيجية في العمق الإيراني. امتدت رقعة الانفجارات من مدن الأهواز وبوشهر جنوباً وصولاً إلى محيط موقع بارتشين العسكري قرب العاصمة طهران، مما ينذر بانزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة. يأتي هذا التطور في ظل تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف منشأة “جبل الفأس” المحصنة تحت الأرض قرب نطنز، فيما حذرت طهران من أن أي ضربة لمنشآتها النووية ستشعل حرباً واسعة تطال المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها في المنطقة بأسرها.
تعود جذور هذا التوتر إلى عقود من العلاقات العدائية بين واشنطن وطهران، والتي تفاقمت بشكل كبير بسبب البرنامج النووي الإيراني ودور طهران الإقليمي. وقد شهدت السنوات الأخيرة انهيار المسارات الدبلوماسية وفرض عقوبات اقتصادية قاسية، مما خلق بيئة خصبة للمواجهة المباشرة. وتعتبر هذه الحملة العسكرية المستمرة تتويجاً لحالة من الشد والجذب، حيث يهدف كل طرف إلى فرض شروطه ومنع الآخر من تحقيق أهدافه الاستراتيجية، سواء كان ذلك منع إيران من امتلاك سلاح نووي أو كسر الحصار الاقتصادي المفروض عليها.
أبعاد القصف الأمريكي على إيران وتداعياته
شهدت الساعات الأخيرة اتساعاً لافتاً في نطاق الضربات الأمريكية، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية استهداف مراكز قيادة وسيطرة، وقدرات بحرية، وحظائر طائرات مسيّرة، ومستودعات لوجستية. ووفقاً للتقارير الميدانية، سُمع دوي انفجارات عنيفة في مدن معشور وبهبهان والعميدية في محافظة خوزستان، كما طالت الضربات جزيرة لارك المطلة على مضيق هرمز وميناءي تشابهار وكنارك الاستراتيجيين. وفيما لم يصدر تأكيد رسمي، أشارت تقارير أولية إلى استهداف محيط موقع بارتشين العسكري، الذي يُشتبه في أنه استضاف أبحاثاً نووية في الماضي، مما يمثل تجاوزاً خطيراً للخطوط الحمراء.
يثير هذا التصعيد قلقاً دولياً بالغاً نظراً لأهمية المنطقة لإمدادات الطاقة العالمية. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس استهلاك النفط العالمي، أصبح في قلب المواجهة مع فرض واشنطن حصاراً بحرياً مشدداً على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية. هذا الحصار لا يهدف فقط إلى شل الاقتصاد الإيراني، بل يرفع أيضاً من مخاطر وقوع حوادث قد تشعل مواجهة بحرية أوسع، مما قد يؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار الطاقة ويزعزع استقرار الاقتصاد العالمي.
البرنامج النووي الإيراني في قلب العاصفة
تتركز المخاوف الأمريكية والإسرائيلية بشكل خاص على المنشآت النووية الإيرانية، وعلى رأسها منشأة “جبل الفأس” قرب نطنز، التي يُعتقد أنها بُنيت في عمق كبير تحت الأرض لتحصينها ضد الضربات الجوية. وتعتبر واشنطن أن هذه المنشأة مخصصة لتخصيب اليورانيوم، وأن أي تقدم فيها نحو إنتاج مواد انشطارية هو أمر غير مقبول. في المقابل، تتهم طهران واشنطن باستخدام البرنامج النووي السلمي كذريعة للعدوان، مؤكدة أن منشآتها تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد أدت هذه المواجهة إلى أزمة دبلوماسية موازية مع أطراف أوروبية، أبرزها فرنسا، التي وجدت نفسها في موقف حرج بين حليفتها الأمريكية وعلاقاتها المتوترة مع طهران.


