أكد معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ورئيس هيئة علماء المسلمين، فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، أن الوسطية السعودية تمثل نموذجاً عالمياً رائداً في مجالات الاعتدال والانفتاح والحوار. جاء ذلك خلال محاضرة نوعية استضافتها جامعة أم القرى بالتعاون مع هيئة الصحفيين السعوديين تحت عنوان «الوسطية السعودية: من المنهج الفقهي إلى الريادة العالمية»، حيث أوضح أن هذا المنهج يستند إلى أساس فقهي راسخ ورؤية إصلاحية شاملة ساهمت في تعزيز الحضور الإيجابي للمملكة العربية السعودية على الساحة العالمية.

جذور وتطور منهج الوسطية السعودية عبر التاريخ
لم يكن هذا التوجه المعتدل وليد اللحظة، بل يمتد بجذوره العميقة إلى الأسس التاريخية التي قامت عليها الدولة السعودية منذ توحيدها. فقد أخذت المملكة على عاتقها شرف خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، مما وضعها في موقع المرجعية الدينية الجامعة والموثوقة للعالم الإسلامي بأسره. وتاريخياً، حرصت القيادة السعودية وعلمائها على تبني منهج إسلامي وسطي يرفض الغلو والتطرف، ويدعو إلى التسامح والتعايش السلمي. هذا الإرث التاريخي العريق مهد الطريق لترسيخ مفهوم الاعتدال، وجعل من المملكة منارة تشع بنور الإسلام الصافي الذي يواكب متغيرات العصر ويستجيب للنوازل دون التفريط في الثوابت الشرعية.
وخلال المحاضرة التي شهدت حضوراً لافتاً من المفتين والعلماء ورؤساء بعثات الحج ووكالات الأنباء الإسلامية، إلى جانب نخبة من القيادات الإعلامية والفكرية والأمنية، تناول الدكتور العيسى مفهوم الوسطية في الإسلام بعمق. وأوضح الفوارق الجوهرية بين الاعتدال الحقيقي والادعاءات الزائفة في ظل تعدد الجهات التي تدعي تمثيل المنهج الوسطي. وشدد على أن الاعتدال الحق يستمد قوته من العلم الشرعي الرصين، والحكمة البالغة، والوعي الدقيق بمتغيرات العصر، بعيداً عن كل أشكال الغلو أو التفريط.
التأثير الإقليمي والدولي لرؤية 2030 في تعزيز التسامح
على الصعيدين الإقليمي والدولي، يحمل هذا التوجه أهمية كبرى وتأثيراً ملموساً، خاصة مع إطلاق «رؤية المملكة 2030». فقد سلط العيسى الضوء على تجليات الاعتدال في هذه الرؤية الطموحة، والتي لم تقتصر على الجوانب الاقتصادية والتنموية فحسب، بل شملت تعزيز قيم التسامح والوسطية كقوة ناعمة للمملكة. هذا الحضور العالمي المتنامي يعكس مكانة السعودية الإسلامية، ويساهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام في المحافل الدولية، مما يعزز من السلم والأمن العالميين ويفتح آفاقاً أرحب للتعاون وبناء الجسور بين مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية.

جهود هيئة كبار العلماء والمبادرات الإسلامية العالمية
وفي سياق متصل، استشهد الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بالحضور العلمي المؤثر لهيئة كبار العلماء في المملكة. وبيّن أن قرارات الهيئة وبياناتها وفتاواها تمثل امتداداً طبيعياً للمنهج السعودي المعتدل، الذي يحتفي بالمذاهب الفقهية وعلمائها، وينفتح على الحوار العلمي الأخوي البناء الذي يخدم قضايا الأمة.
وأشار في ختام حديثه إلى أن هذا النهج الأصيل تجسد بوضوح في مبادرات عالمية كبرى رعتها المملكة، أبرزها مؤتمرا «وثيقة مكة المكرمة» و«وثيقة بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية». كما أشاد بأعمال «المجمع الفقهي الإسلامي» التابع لرابطة العالم الإسلامي، والذي يضم نخبة من كبار المفتين والعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لتوحيد الكلمة، ونشر ثقافة السلام، والتأكيد على ريادة المملكة في قيادة العمل الإسلامي المشترك نحو آفاق من الاعتدال والوسطية.


