أدلى قائد الجيش اللبناني، العماد جوزيف عون، بتصريحات هامة كشف فيها عن كواليس مفاوضات وقف إطلاق النار في لبنان الجارية في العاصمة الأمريكية واشنطن، واصفاً إياها بأنها “صعبة جداً”. وأوضح عون أنه على تواصل مستمر ومكثف مع مختلف الأطراف الدولية لضمان تثبيت التهدئة، مشيراً إلى أن تنفيذ الاتفاق الفعلي لوقف العمليات العسكرية قد يدخل حيز التنفيذ خلال 24 ساعة بمجرد الحصول على الموافقة النهائية من الأطراف المعنية.
مسار مفاوضات وقف إطلاق النار في لبنان والوساطة الأمريكية
أوضح العماد جوزيف عون أن المحادثات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي استؤنفت في واشنطن بعد تدخل مباشر من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وذلك عقب قرار رئيس الوفد اللبناني سيمون كرم بتعليق المشاركة مؤقتاً. وبيّن عون أن الجانب اللبناني قدم مقترحاً عملياً لتطبيق التهدئة تدريجياً، يركز على إنشاء “منطقة تجريبية” كمرحلة أولى تشمل مناطق زوطر الغربية والشرقية بالإضافة إلى قلعة الشقيف الاستراتيجية، وهي المناطق التي كانت القوات الإسرائيلية قد أعلنت السيطرة عليها في الأيام القليلة الماضية.
وأكد عون أن السلطات اللبنانية تترقب حالياً ردود الأطراف المعنية وتطالب بضمانات دولية واضحة للالتزام بالاتفاق، مشدداً على الدور المحوري الذي تلعبه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الضغط لتنفيذ الاتفاق وضمان التزام إسرائيل ببنوده، محذراً في الوقت ذاته من أن هذا الاتفاق قد يمثل “الفرصة الأخيرة” لإنقاذ المنطقة من الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
خلفية الصراع والمساعي الدبلوماسية المستمرة
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية المكثفة في واشنطن بعد أشهر من التصعيد العسكري العنيف على الحدود اللبنانية الجنوبية، والذي يعد الامتداد الأكثر خطورة للمواجهات منذ حرب عام 2006. تاريخياً، شكل القرار الدولي رقم 1701 الإطار القانوني الأساسي لضبط الأمن في جنوب نهر الليطاني، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة فرضت واقعاً جديداً تطلب تدخلاً دولياً مباشراً لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية. وتسعى المفاوضات الحالية إلى إيجاد صيغة تضمن سيادة الدولة اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني كقوة حصرية في الجنوب، مع معالجة المخاوف الأمنية الإسرائيلية لمنع تجدد الصراع المسلح.
الأبعاد الإقليمية وتأثيرات الاتفاق المرتقب
يحمل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود اللبنانية لتلقي بظلالها على المشهد الإقليمي والدولي بأسره. محلياً، يتيح الاتفاق للجيش اللبناني بسط سلطته الكاملة على المناطق الحدودية، وهو ما أكده السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، بإشارته إلى أن القوات المسلحة اللبنانية ستتولى السيطرة الحصرية على المناطق التجريبية، مع السماح بـ”مرور آمن” لعناصر حزب الله للانتقال شمال نهر الليطاني.
إقليمياً، يسهم هذا الاتفاق في خفض حدة التوتر في الشرق الأوسط، ويقلل من احتمالات نشوب حرب إقليمية شاملة تشترك فيها قوى كبرى. كما يعزز الاتفاق من فرص استعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان الذي يعاني من أزمات متراكمة، في حين يرى مراقبون دوليون أن نجاح هذه الجهود يعتمد بشكل أساسي على مدى التزام الأطراف الموقعة بالضمانات الأمريكية، وقدرة الجيش اللبناني على فرض الأمن والاستقرار في الجنوب بدعم من المجتمع الدولي.
التطورات الميدانية المتزامنة مع الحراك السياسي
بالتوازي مع الجهود السياسية، بدأ الجيش اللبناني ميدانياً بفتح طريق مرجعيون – دبين – إبل السقي في جنوب البلاد لتسهيل حركة التنقل. وفي المقابل، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية ستستمر في الوقت الراهن لضمان انسحاب مقاتلي حزب الله إلى شمال الليطاني ووقف الهجمات على شمال إسرائيل. وشهدت الساعات الأخيرة تصعيداً ميدانياً لافتاً، حيث كثف الطيران الإسرائيلي غاراته مستهدفاً محيط سد القرعون، وسحمر، وقليا في البقاع الغربي، بالإضافة إلى بلدات ميفدون، وزبدين، ومعروب في الجنوب، مما يبرز دقة وحساسية اللحظات الراهنة قبل الإعلان الرسمي عن التهدئة.


