أكدت الهيئة الملكية لمدينة الرياض لصحيفة “عكاظ” أن بدء تطبيق الدوام المرن في الرياض يمثل خطوة استراتيجية تهدف إلى تقليص ضغط الحركة المرورية خلال ساعات الذروة الصباحية والمسائية. وتستهدف هذه المبادرة المبتكرة توزيع أوقات حضور وانصراف الموظفين على فترات زمنية متباعدة تصل إلى 4 ساعات، مما يساهم في تحرير الحركة المرورية وتخفيف العبء اليومي على شبكة الطرق الحديثة في العاصمة، دون إحداث أي تغيير في إجمالي عدد ساعات العمل المعتمدة نظاماً.
آلية تطبيق الدوام المرن في الرياض والجهات المشاركة
أوضحت الهيئة الملكية أن المبادرة جرى تفعيلها بالتعاون المثمر مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، حيث شمل التطبيق الفعلي أكثر من 50 جهة عمل حكومية وخاصة. وتتوزع هذه الجهات على ستة من أكبر وأبرز مراكز الأعمال الحيوية في العاصمة، وهي: مركز الملك عبدالله المالي (كافد)، والمدينة الرقمية، وحي السفارات، وواجهة روشن، وغرناطة بزنس، بالإضافة إلى ليسن فالي. ويهدف هذا التوزيع الجغرافي المدروس إلى تحقيق توازن حقيقي في تدفق المركبات اليومي، ورفع كفاءة استغلال البنية التحتية المتطورة لقطاع النقل في الرياض.
السياق التنموي والتحديات المرورية في العاصمة
تشهد مدينة الرياض طفرة تنموية واقتصادية غير مسبوقة، حيث تضاعف عدد سكانها ونشاطها التجاري بشكل متسارع خلال السنوات الأخيرة كجزء من التحول الوطني الشامل. هذا النمو السكاني الهائل فرض تحديات لوجستية واضحة على شبكة الطرق، خاصة خلال أوقات الذروة التي يتزامن فيها خروج الموظفين والطلاب. ومن هنا، جاءت الحاجة إلى ابتكار حلول تنظيمية مرنة لا تعتمد فقط على التوسع الإنشائي للطرق، بل تركز على إدارة الطلب على النقل وتوزيع الكثافة البشرية بذكاء، وهو ما ينسجم مع إطلاق مشاريع كبرى مثل قطار الرياض وحافلات النقل العام.
أبعاد اقتصادية واجتماعية تتجاوز تنظيم ساعات العمل
لا تقتصر فوائد هذه المبادرة على الجانب المروري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية عميقة. محلياً، تسهم المرونة في تحسين البيئة النفسية للموظفين وتقليل الاحتراق الوظيفي الناتج عن التوتر المروري اليومي، مما يرفع من معدلات الإنتاجية والرضا الوظيفي. وإقليمياً ودولياً، تعزز هذه الخطوة من جاذبية الرياض كمركز مالي واستثماري عالمي يتبنى أفضل الممارسات الإدارية الحديثة.
وفي هذا السياق، أشار البروفيسور محمد بن دليم القحطاني، المتخصص في اقتصاد المستقبل، إلى أن الدراسات العالمية – مثل تلك التي أجرتها جامعة ستانفورد – تؤكد أن تبني نماذج العمل المرنة يرفع الإنتاجية بنسبة تصل إلى 13% ويقلل من معدلات الاستقالة والغياب. كما أكد الخبير الاقتصادي عبدالعزيز الأحمري أن المؤسسات الأكثر تنافسية عالمياً باتت تقيس النجاح بمستوى الإنجاز الفعلي وجودة المخرجات بدلاً من الارتباط الحرفي بساعات الحضور التقليدية، مما يجعل الرياض نموذجاً يحتذى به في المنطقة لتطوير بيئات عمل مستدامة وجاذبة للكفاءات بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.


