أعلنت الرئاسة الروسية (الكرملين) عن عدم وجود أي مقترحات أو صيغ جديدة مطروحة في الوقت الراهن تهدف للتوصل إلى التسوية في أوكرانيا، مؤكدة أن التقارير الإعلامية التي تحدثت عن هدنة محتملة بين موسكو وكييف لا تعدو كونها “تكهنات إعلامية”. جاء هذا الموقف الرسمي على لسان المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، الذي شدد خلال إحاطة صحفية على أن موسكو لم تلاحظ أي شيء ملموس فيما يتعلق بمقترحات سلام جديدة.
يأتي هذا التصريح في ظل استمرار الصراع الذي دخل عامه الثالث، والذي شهد تعقيدات متزايدة على الصعيدين الميداني والدبلوماسي. منذ بدء “العملية العسكرية الخاصة” في فبراير 2022، مرت محاولات التفاوض بمراحل متباينة، كان أبرزها محادثات إسطنبول في الأسابيع الأولى للحرب، لكنها لم تسفر عن نتائج دائمة. ومنذ ذلك الحين، تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، مع تمسك كل طرف بشروطه التي يراها أساسية لأي حل سياسي، مما أدى إلى جمود شبه كامل في المسار الدبلوماسي.
جمود دبلوماسي في ظل تصعيد ميداني
رد بيسكوف بشكل مباشر على تقارير إعلامية، نقلتها وكالة “رويترز” عن مصدر أوكراني، تحدثت عن مناقشة مسؤولين أمريكيين وأوكرانيين لمقترح يقضي بوقف الهجمات الجوية المتبادلة، تمهيداً لعرضه على موسكو. وقال بيسكوف إن هذه المعلومات “ظهرت قبل عدة أيام، إلا أنها في الوقت الحالي لا تعدو كونها تكهنات إعلامية، ولا يوجد أي شيء محدد بهذا الشأن”. وأضاف أن موسكو تأمل في أن يزور المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر موسكو عندما تسمح جداول أعمالهما بذلك، في إطار استمرار الاتصالات بين الجانبين.
إن غياب أي مبادرة سلام جادة يعكس حجم الهوة بين مواقف الطرفين. فبينما تصر أوكرانيا على ضرورة انسحاب القوات الروسية من جميع أراضيها المعترف بها دولياً، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، كشرط مسبق لأي مفاوضات، تتمسك روسيا بسيطرتها على المناطق التي ضمتها وتطالب باعتراف دولي بذلك، إلى جانب ضمانات أمنية أخرى. هذا التباين الجذري في المواقف يجعل من أي تسوية شاملة أمراً بعيد المنال في المدى المنظور، ويدفع بالتركيز نحو تحقيق مكاسب عسكرية على الأرض.
مبادرات السلام الدولية وآفاق التسوية في أوكرانيا
على الصعيد الدولي، كان للصراع تداعيات واسعة، حيث أثر على أمن الطاقة والغذاء العالمي، وأعاد تشكيل التحالفات الجيوسياسية. وقد حاولت عدة أطراف دولية، مثل الصين وتركيا والبرازيل ودول أفريقية، التوسط وطرح خطط سلام، لكنها اصطدمت برفض أحد الطرفين أو كليهما. ويُنظر إلى الموقف الروسي الأخير على أنه تأكيد على استراتيجية الرئيس فلاديمير بوتين بمواصلة الضغط العسكري لتحقيق أهداف العملية العسكرية، وهو ما أكده في تصريحات سابقة رداً على دعوات للتهدئة، مشدداً على أن موسكو ستواصل تخصيص موارد كبيرة لتحقيق أهدافها.
في غضون ذلك، تستمر العمليات العسكرية بوتيرة متصاعدة. فقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن تدمير 5 قنابل موجهة و498 طائرة مسيرة أوكرانية خلال الـ24 ساعة الماضية، مشيرة إلى أن إجمالي المسيرات التي تم إسقاطها منذ بدء الحرب تجاوز 190 ألفاً. في المقابل، أعلن سلاح الجو الأوكراني أن دفاعاته الجوية أسقطت 123 من أصل 147 طائرة مسيرة أطلقتها روسيا خلال الليل، مستخدمة طائرات من طراز “شاهد” وأنواع أخرى انطلقت من عدة مناطق روسية ومن شبه جزيرة القرم. هذه الأرقام تعكس حقيقة الوضع على الأرض، وتؤكد أن الحل العسكري لا يزال هو اللغة السائدة بين الطرفين.


