محكمة الاستئناف بجدة تؤيد حكماً تاريخياً لصالح مشترية عقار
في سابقة قضائية هامة تعزز من حقوق مشتري العقارات في المملكة العربية السعودية، أيدت محكمة الاستئناف بجدة حكماً نهائياً يقضي بفسخ عقد بيع شقة سكنية في مجمع شهير وسط جدة، وإلزام البنك الممول بإعادة كافة المبالغ المدفوعة للمشترية، وذلك بعد ثبوت وجود العيوب الخفية للمبنى بشكل جوهري يهدد سلامته ويحول دون الانتفاع به. هذا الحكم، الذي أصبح قطعياً وواجب النفاذ، يمثل علامة فارقة في قضايا المنازعات العقارية ويضع معايير جديدة لمسؤولية البائع والممول تجاه العيوب التي لا يمكن اكتشافها بالفحص العادي.
تعود تفاصيل القضية إلى قيام مواطنة بشراء شقة تمليك بقيمة مليوني ريال عبر تمويل من أحد البنوك. وبعد فترة وجيزة من السكن، بدأت تظهر عيوب إنشائية خطيرة لم تكن ظاهرة عند إبرام العقد، مما دفعها للجوء إلى القضاء. وقد أثبت تقرير هندسي، انتدبته المحكمة، وجود شروخ وتنميلات في الأسقف، وهبوط في البلاطات الخرسانية، وأخطاء تصميمية وتنفيذية في الهيكل الإنشائي، بالإضافة إلى تسربات مياه، وهي عيوب جوهرية تؤثر على سلامة العقار والغرض الأساسي من شرائه وهو السكن الآمن والمستقر.
حماية المستهلك في مواجهة العيوب الخفية للمبنى
تكتسب هذه القضية أهميتها من السياق الأوسع للسوق العقاري السعودي الذي يشهد نمواً متسارعاً في ظل رؤية 2030. فمع زيادة المشاريع السكنية، تبرز أهمية وجود إطار قانوني وقضائي صارم يحمي حقوق المستهلكين. ويُعد مفهوم “العيوب الخفية” ركناً أساسياً في هذا الإطار، حيث يضمن للمشتري حقه في استلام عقار سليم وخالٍ من المشاكل التي لم يكن بإمكانه معرفتها. وقد رفضت المحكمة دفوع البنك بأن المشترية عاينت العقار وقبلته بحالته، مؤكدة أن شرط الإعفاء من المسؤولية عن العيوب الخفية في “عقود الإذعان” – التي لا يملك فيها العميل قدرة على التفاوض – لا يعتد به إذا كان يضر بالمستهلك بشكل تعسفي، خاصة عندما تمس العيوب سلامة المبنى.
إن هذا التوجه القضائي يرسل رسالة واضحة للمطورين العقاريين والمؤسسات المالية بضرورة التأكد من جودة الإنشاءات والتحلي بالشفافية الكاملة. كما أنه يعزز ثقة المواطنين في اللجوء إلى القضاء لضمان حقوقهم، مما يساهم في نضج السوق العقاري وزيادة جاذبيته للاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء، عبر التأكيد على أن النمو يجب أن يواكبه التزام بأعلى معايير الجودة والسلامة.
تداعيات الأزمة على سكان المجمع ومستقبل العقار
لم تقتصر المشكلة على هذه القضية الفردية، بل امتدت لتشمل عدداً من سكان المجمع الذين يعانون من مشاكل مماثلة، ويرتبطون بعقود تمويل طويلة الأجل. وقد تدخلت أمانة جدة وأصدرت أوامر إخلاء لبعض الأبراج المتضررة حفاظاً على سلامة السكان، مما زاد من قلق الملاك حول مصير ممتلكاتهم واستثماراتهم. وأعرب المتضررون عن مخاوفهم من عمليات الترميم المقترحة وطالبوا بضمانات واضحة حول سلامة المباني بشكل كامل قبل العودة إليها.
ويؤكد هذا الحكم القضائي على مبدأ “الضرر يزال”، ويضع مسؤولية كبيرة على عاتق الجهات الممولة التي تقدم نفسها كبائع في عقود المرابحة. فالحكم لم يكتفِ بفسخ العقد، بل ألزم البنك برد كامل المبالغ، مما يجعله شريكاً في تحمل تبعات العيوب الإنشائية. ومن المتوقع أن يدفع هذا الحكم البنوك والممولين إلى تشديد إجراءات الفحص الفني والهندسي للعقارات قبل تمويلها، وهو ما سينعكس إيجاباً على جودة المشاريع العقارية المستقبلية ويحد من ظهور مثل هذه النزاعات.


