يُعدّ مرض القوباء أحد أكثر العدوى الجلدية البكتيرية انتشاراً في العالم، حيث تُشير التقديرات العالمية لعبء الأمراض إلى تسجيل أكثر من 162 مليون إصابة به سنوياً، لا سيما بين الأطفال في البيئات الحارة والرطبة والمزدحمة. وتعمل وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية على تعزيز التوعية بهذا المرض للحد من انتقاله بين الأطفال عبر البرامج الصحية وتشجيع ممارسات النظافة الشخصية والتشخيص المبكر.
أسباب انتقال العدوى وأعراضها
أوضح استشاري الجلدية والتناسلية، الدكتور محمود كومي، أن مرض القوباء هو عدوى بكتيرية سطحية تصيب الجلد، وتنتج غالباً عن بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية أو المكورات العقدية. وبينما ينتشر المرض بشكل أكبر بين الأطفال (خصوصاً بين عمر سنتين وخمس سنوات)، فإنه قد يصيب البالغين أيضاً، ولا سيما الرياضيين، ومرضى السكري، وضعيفي المناعة، والمصابين بالأكزيما، أو عند وجود جروح وخدوش ولدغات حشرات.
تنتقل العدوى شديدة الانتشار عبر الملامسة المباشرة للطفح الجلدي أو السوائل الخارجة من البثور، أو مشاركة الأدوات الشخصية مثل المناشف والملابس وأغطية الأسرة. وتبدأ الإصابة بظهور تقرحات حمراء حول الأنف أو الفم أو العنق أو الأطراف، تتحول سريعاً إلى بثور تنفجر وتترك قشوراً صفراء ذهبية تشبه لون العسل.
من جانبه، أشار أخصائي أول طب أسرة ومشرف فريق في الرعاية الصحية المنزلية، الدكتور فارس الغامدي، إلى أن القوباء قد تظهر في منطقة الحفاضات لدى الأطفال نتيجة تهيج جلدي يضعف حاجز الجلد. وأكد أن ارتفاع الحرارة ليس من الأعراض المعتادة للقوباء الموضعية، وأن ظهور الحمى المرتفعة المصحوبة بخمول أو انتشار سريع للطفح قد يدل على عدوى أشد مثل التهاب النسيج الخلوي أو القوباء الفقاعية الواسعة، مما يتطلب تقييماً طبياً عاجلاً.
التشخيص والعلاج
يعتمد تشخيص المرض غالباً على الفحص السريري. وأفاد الدكتور فارس الغامدي بأن الطبيب يحرص على التفريق بين القوباء وأمراض جلدية مشابهة مثل الهربس البسيط، والأكزيما المصابة، وجدري الماء، والتهاب الجلد التماسي، ولدغات الحشرات، والفطريات الجلدية. ولا يُعد أخذ عينة أو مزرعة ضرورياً في الحالات التقليدية، بل يُطلب عند تكرر الإصابة أو عدم الاستجابة للعلاج أو الاشتباه بوجود بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية.
ورغم أن بعض الحالات البسيطة قد تختفي تلقائياً خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، إلا أن الأطباء لا ينصحون بتركها دون علاج. ويسهم العلاج بالمضادات الحيوية الموضعية أو الفموية في تقليل مدة المرض والحد من انتشار العدوى. وتنخفض قدرة المصاب على نقل العدوى بشكل كبير بعد مرور 24 إلى 48 ساعة من بدء استخدام المضاد الحيوي المناسب، بينما تستمر العدوى في حال عدم العلاج حتى جفاف القروح والتئامها.
مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الكلى
حذر استشاري أمراض الكلى بمستشفى الملك عبدالعزيز بجدة، الدكتور عبدالمعتني السلمي، من أن إهمال علاج القوباء قد يؤدي إلى الإصابة بالتهاب كبيبات الكلى الحاد، وهي مضاعفة قد تظهر بعد نحو أسبوعين من العدوى الجلدية، خصوصاً لدى الأطفال بين سن 5 و12 عاماً، وكبار السن، ومرضى السكري، والمصابين بضعف المناعة أو الحروق.
وأوضح الدكتور السلمي أن هذا الالتهاب لا يحدث بسبب وصول البكتيريا إلى الكلى، وإنما نتيجة استجابة مناعية تنتج أجساماً مضادة تترسب داخل كبيبات الكلى (المرشحات المسؤولة عن تنقية الدم)، مما يؤدي إلى التهابها وتأثر وظائفها. وتشمل الأعراض التي تستدعي الانتباه: تغير لون البول إلى البني أو الأحمر، وتورم الوجه (خاصة حول العينين)، وانتفاخ القدمين والكاحلين، وانخفاض كمية البول، والإرهاق، وفقدان الشهية.
سبل الوقاية والحد من الانتشار
شدد الأطباء على أهمية الوقاية عبر المحافظة على النظافة الشخصية، وغسل اليدين، وتطهير الجروح والخدوش فوراً، وقص أظافر الأطفال، وتجنب حك الطفح الجلدي أو مشاركة الأدوات الشخصية. كما حذروا من بعض الأخطاء الشائعة مثل إيقاف المضاد الحيوي قبل إكمال المدة المحددة، أو استخدام كريمات الكورتيزون وحدها على الإصابة البكتيرية، أو التعرض للشمس ظناً أنه يعالج المرض، حيث قد يزيد ذلك من تهيج الجلد.
كما يُنصح بتجنب الأنشطة الرياضية التي تتطلب احتكاكاً مباشراً والامتناع عن السباحة حتى جفاف الآفات الجلدية أو تغطيتها بشكل مناسب، وعدم العودة للمدرسة أو العمل إلا بعد انخفاض احتمالية نقل العدوى (بعد 24 إلى 48 ساعة من بدء العلاج).


