أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث عن إطلاق مراجعة شاملة تستهدف إعادة تقييم أسس الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، في خطوة استراتيجية تعكس تحولاً عميقاً في سياسة واشنطن الدفاعية، وتهدف إلى دفع الحلفاء الأوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة. جاء هذا الإعلان خلال اجتماع لوزراء دفاع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل، مشيراً إلى أن هذه المراجعة ستستمر لمدة تصل إلى ستة أشهر وستتم بالتشاور الوثيق مع الكونغرس الأمريكي.
ورغم أن هيغسيث لم يعلن صراحة عن خفض وشيك للقوات، إلا أن تصريحاته أوحت بقوة بإمكانية إعادة النظر في حجم الانتشار العسكري الحالي. وأكد أن الهدف الأساسي هو ضمان قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها العالمية المتزايدة، بالتوازي مع انتقال الناتو إلى مرحلة جديدة تتولى فيها أوروبا القيادة الفعلية لمسؤولية الدفاع التقليدي عن أراضيها.
إعادة رسم خريطة الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا
تأتي هذه المراجعة في سياق تاريخي معقد. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّل الوجود العسكري الأمريكي حجر الزاوية في أمن أوروبا الغربية، خاصة خلال حقبة الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفيتي. تمركزت عشرات الآلاف من القوات الأمريكية، لا سيما في ألمانيا، كضمانة أمنية لا غنى عنها. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، شهدت القارة تخفيضاً تدريجياً للقوات، لكن التوترات المتجددة مع روسيا، خصوصاً بعد ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014 والغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022، دفعت واشنطن إلى تعزيز وجودها مجدداً، خاصة على الجناح الشرقي للحلف في دول مثل بولندا ورومانيا. القرار الحالي بالمراجعة يمثل تحولاً عن هذا المسار الحديث، ويعيد إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول تقاسم الأعباء داخل الحلف.
تداعيات محتملة على الأمن الأوروبي وحلف الناتو
من المتوقع أن يكون لهذه الخطوة تداعيات واسعة النطاق. على المستوى الإقليمي، تضع المراجعة ضغطاً هائلاً على الدول الأوروبية لتسريع وتيرة استثماراتها الدفاعية وتكاملها العسكري. وقد بدأت بعض الدول بالتحرك بالفعل لسد الفجوة المحتملة؛ حيث أعلن وزير الدفاع البلجيكي ثيو فرانكن أن بلاده ستزيد مساهماتها في قوات الطوارئ التابعة للناتو بمقاتلات F-16 وطائرات مسيّرة من طراز MQ-9B SkyGuardian. في المقابل، حذر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس من مخاطر سحب القدرات الأمريكية المتقدمة، مثل الصواريخ بعيدة المدى وقدرات الضربات العميقة، قبل أن تتمكن أوروبا من توفير بدائل جاهزة، مؤكداً أن بناء مثل هذه القدرات يستغرق وقتاً طويلاً.
رسائل واشنطن الصريحة وتقاسم الأعباء
لم يتردد الوزير هيغسيث في توجيه انتقادات لبعض الحلفاء الذين لم يقدموا الدعم الكامل للولايات المتحدة خلال الحرب مع إيران، مشيراً إلى أن بعض الحكومات رفضت منح تسهيلات تتعلق باستخدام القواعد العسكرية أو حقوق التحليق الجوي. وأوضح أن المراجعة ستأخذ في الاعتبار مدى تعاون الدول الحليفة والتزامها بزيادة الإنفاق الدفاعي لتحقيق هدف 2% من الناتج المحلي الإجمالي المتفق عليه. وتأتي هذه التصريحات في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة بالفعل تقليص بعض القدرات العسكرية التي تضعها تحت تصرف الناتو، حيث تشير المعلومات إلى أن عدد مقاتلات F-15 وF-15E المخصصة لدعم الحلف سينخفض بنحو الثلث، كما سيتم تخفيض عدد الطائرات المسيّرة إلى النصف تقريباً. هذه الخطوة تمثل رسالة واضحة مفادها أن عصر الاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية قد قارب على الانتهاء، وأن على أوروبا الاستعداد لمرحلة جديدة من الاعتماد على الذات.


