أعادت الحكومة التايلاندية إحياء طموحاتها بشأن مشروع الجسر البري العملاق، وهو خطوة استراتيجية تهدف إلى إنشاء ممر لوجستي يربط بين سواحل البلاد الشرقية والغربية. يأتي هذا المشروع، الذي تقدر تكلفته بنحو تريليون بات تايلاندي (أكثر من 30 مليار دولار)، كرهان جريء لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية وتقديم بديل حيوي لمضيق ملقا، الذي يعد أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا وأهمية استراتيجية في العالم.
حلم قديم في ثوب جديد
فكرة إنشاء ممر يختصر الطريق عبر برزخ “كرا” ليست جديدة، بل تعود إلى قرون مضت، حيث كانت الحكومات المتعاقبة في تايلاند تحلم بشق قناة مائية تربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ مباشرة. إلا أن التكاليف الباهظة والتحديات الهندسية والبيئية حالت دون تحقيق هذا الحلم. اليوم، يعود الطموح ذاته ولكن في شكل مختلف وأكثر واقعية، حيث يقترح مشروع الجسر البري إنشاء ميناءين بحريين عميقين، أحدهما في إقليم تشومفون على خليج تايلاند والآخر في إقليم رانونغ المطل على بحر أندامان، وتربط بينهما شبكة متكاملة من السكك الحديدية والطرق السريعة بطول 90 كيلومترًا.
أبعاد جيوسياسية: كيف يغير مشروع الجسر البري خريطة النفوذ؟
تكمن الأهمية الكبرى للمشروع في قدرته على تغيير الديناميكيات الجيوسياسية في المنطقة. يمر عبر مضيق ملقا حاليًا ما يقارب ربع التجارة العالمية المنقولة بحرًا، بما في ذلك جزء كبير من إمدادات الطاقة إلى قوى اقتصادية كبرى مثل الصين واليابان. هذا الاعتماد الكبير على ممر مائي ضيق يجعله نقطة اختناق استراتيجية. من هنا، يوفر الجسر البري التايلاندي ميزة مزدوجة: تقليل زمن الرحلات البحرية بما يصل إلى أسبوعين لبعض الخطوط التجارية، وتوفير مسار بديل آمن في حال حدوث أي اضطرابات في المضيق. هذا الأمر يجعله جذابًا بشكل خاص للصين، التي تسعى لتأمين خطوط إمدادها ضمن مبادرة “الحزام والطريق” وتقليل اعتمادها على الممرات التي يمكن أن تكون خاضعة لنفوذ قوى منافسة.
تحديات اقتصادية ومجتمعية على المحك
على الرغم من الوعود الاقتصادية البراقة، يواجه المشروع عقبات كبيرة. يرى خبراء لوجستيون أن عملية تفريغ الحاويات من السفن في ميناء، ونقلها برًا، ثم إعادة شحنها في الميناء الآخر، قد تكون أكثر تعقيدًا وتكلفة مقارنة بالمرور المباشر عبر مضيق ملقا، مما يثير شكوكًا حول الجدوى الاقتصادية الحقيقية. بالإضافة إلى ذلك، تواجه الحكومة تحديًا كبيرًا في جذب استثمارات ضخمة من القطاع الخاص في ظل عدم وضوح العوائد طويلة الأجل. على الصعيد المحلي، تتصاعد معارضة المجتمعات المحلية، خاصة من المزارعين والصيادين الذين يخشون من أن يؤدي المشروع إلى تدمير مصادر رزقهم التقليدية والبيئة البحرية الغنية التي يعتمدون عليها. وبين الطموحات الاقتصادية الكبرى والمخاوف البيئية والاجتماعية، يبقى مستقبل مشروع الجسر البري مرهونًا بقدرة بانكوك على تحقيق توازن دقيق وإقناع المستثمرين والسكان المحليين بأن المكاسب المحتملة تستحق التضحيات المطلوبة.


