أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إطلاق حملة دبلوماسية واقتصادية واسعة النطاق لمواجهة ما وصفته بـ«التهديد الذي تمثله المحكمة الجنائية الدولية للسيادة الأمريكية»، في خطوة تصعيدية تهدف إلى عزل المحكمة الجنائية الدولية وتقويض نفوذها. وتدرس واشنطن بجدية اتخاذ إجراءات جديدة للحد من قدرة المحكمة على ملاحقة المواطنين والمسؤولين الأمريكيين، مؤكدة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة للمساس بسيادتها الوطنية.
وفي رسالة مصورة، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن المحكمة، التي أُنشئت في الأصل لملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية، قد تحولت إلى مؤسسة «أكثر تطرفًا واتساعًا في صلاحياتها». وشدد روبيو على أن إدارة ترامب «لن تسمح للمحكمة بتهديد العسكريين أو المسؤولين الأمريكيين»، معتبراً أن أي تحقيقات تستهدفهم هي اعتداء مباشر على الولايات المتحدة.
جذور التوتر: تاريخ من الخلاف بين واشنطن ولاهاي
لم تكن علاقة الولايات المتحدة بالمحكمة الجنائية الدولية ودية على الإطلاق. فمنذ تأسيس المحكمة بموجب نظام روما الأساسي عام 2002، أبدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة قلقها من إمكانية استخدام المحكمة لأغراض سياسية ضد جنودها ومسؤوليها. ورغم أن الرئيس بيل كلينتون وقع على النظام الأساسي في اللحظات الأخيرة من ولايته، إلا أنه لم يرسله إلى مجلس الشيوخ للتصديق عليه. وفي خطوة أكثر حسماً، قامت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش بـ«سحب التوقيع» الأمريكي عام 2002، وأصدرت قانون حماية أفراد الخدمة الأمريكية (ASPA) الذي يخول للرئيس استخدام كافة الوسائل الضرورية، بما فيها العسكرية، لتحرير أي مواطن أمريكي تحتجزه المحكمة. وخلال ولاية ترامب الأولى، تم فرض عقوبات بالفعل على مسؤولين في المحكمة، من بينهم المدعية العامة آنذاك، بسبب التحقيق في جرائم حرب محتملة في أفغانستان.
أبعاد الحملة الجديدة وأدوات الضغط الأمريكية
كشف مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية أن حزمة الإجراءات قيد الدراسة تشمل فرض قيود مشددة على سفر مسؤولي المحكمة، وإلغاء تأشيراتهم، وتجميد أصولهم المالية في الولايات المتحدة. والأهم من ذلك، تتضمن الحملة ممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة على الدول الأعضاء في المحكمة، وخاصة حلفاء واشنطن، لحثهم على الانسحاب من عضويتها أو على الأقل رفض اختصاصها في القضايا المتعلقة بالولايات المتحدة. وأكدت الوزارة أن «جميع الخيارات الدبلوماسية مطروحة على الطاولة» ضمن هذه الحملة التي تأتي في سياق تصاعد التوترات بعد إصدار المحكمة مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أحد أبرز حلفاء واشنطن، مما أعاد هذا الملف إلى صدارة أولويات الإدارة الأمريكية.
تأثيرات عالمية: مستقبل العدالة الدولية على المحك
يثير هذا الموقف الأمريكي المتشدد قلقاً بالغاً لدى المنظمات الحقوقية والدول الداعمة للمحكمة، حيث يُنظر إليه على أنه محاولة لتقويض نظام العدالة الجنائية الدولي برمته. إن نجاح حملة عزل المحكمة الجنائية الدولية قد يشجع دولاً أخرى على تجاهل قراراتها، مما يضعف قدرتها على محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. ويضع هذا التصعيد الحلفاء الأوروبيين في موقف حرج، إذ يجدون أنفسهم ممزقين بين التزاماتهم تجاه المحكمة كدول أعضاء، وعلاقاتهم الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وفيما امتنعت المتحدثة باسم المحكمة عن التعليق، يرى مراقبون أن هذه المواجهة قد تحدد مستقبل العدالة الدولية لعقود قادمة، وتطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت السيادة الوطنية تسمو فوق مبادئ المحاسبة الدولية.


