تشهد المنطقة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً تقوده باكستان لإنقاذ المفاوضات الأمريكية الإيرانية من الانهيار، في وقت يتصاعد فيه التوتر الميداني بشكل غير مسبوق بين طهران وواشنطن عقب ضربات عسكرية متبادلة. وفي هذا السياق، وصل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران في زيارة رسمية حاملاً رسائل هامة تهدف إلى تقريب وجهات النظر وتجاوز العقبات الراهنة، وعلى رأسها ملف الأموال المجمدة والبرنامج النووي.
وساطة باكستانية لإنقاذ المفاوضات الأمريكية الإيرانية
كشفت مصادر مطلعة أن وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، يحمل رسالة خاصة من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى المرشد الإيراني، وذلك بتوجيهات مباشرة من رئيس الوزراء شهباز شريف. وتأتي هذه التحركات بعد لقاءات مكثفة جمعت نقوي بنظيره الإيراني إسكندر مؤمني على هامش اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون في قيرغيزستان. وتهدف الوساطة الباكستانية إلى صياغة مذكرة تفاهم أولية تضع حداً للتصعيد العسكري وتفتح الباب أمام تسوية شاملة، لا سيما مع تحديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهلة زمنية صارمة للوسطاء لا تتجاوز 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق ملموس، مطالباً طهران برد سريع وحاسم.
عقدة الأموال المجمدة والملف النووي
على الرغم من الأجواء الإيجابية التي خيمت على المحادثات في أيامها الأولى، إلا أن المفاوضات اصطدمت مجدداً بآلية رفع الحظر عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج. وتطالب طهران بالإفراج الفوري عن نصف مستحقاتها المجمدة البالغة 12 مليار دولار كشرط أساسي لتوقيع أي اتفاق مرحلي، على أن يتم تحويل الجزء المتبقي خلال شهرين. في المقابل، تبدي واشنطن تحفظات واضحة بشأن هذه الآلية وتطالب بضمانات إضافية. أما الملف النووي المعقد، فقد اتفق الطرفان على إرجاء مناقشة تفاصيله الفنية الدقيقة إلى ما بعد توقيع الاتفاق الأولي، شريطة أن يتم حسمه بالكامل خلال فترة الستين يوماً التي حددتها الإدارة الأمريكية. ورغم هذه التعقيدات، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن المحادثات تحرز تقدماً كبيراً، مؤكداً بحسم أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً.
تصعيد ميداني يهدد أمن الخليج والملاحة الدولية
بالتوازي مع المساعي الدبلوماسية، شهدت الساعات الماضية تصعيداً عسكرياً خطيراً هدد حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز الاستراتيجي. وأعلن الجيش الأمريكي عن استهداف مواقع رادارات مراقبة حيوية في جنوب إيران، وذلك عقب إسقاط أربع طائرات مسيرة إيرانية كانت تشكل تهديداً مباشراً للسفن التجارية والمدنية. ورداً على ذلك، أطلق الحرس الثوري الإيراني سبعة صواريخ باليستية باتجاه قواعد أمريكية مفترضة في الكويت والبحرين، حيث دوت صفارات الإنذار وسُمعت دوي انفجارات. وأكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) اعتراض ستة من هذه الصواريخ بنجاح، نافية بشكل قاطع الادعاءات الإيرانية التي تحدثت عن إلحاق أضرار بمقر الأسطول الخامس الأمريكي في المنامة.
توازنات القوى الإقليمية ومستقبل التهدئة
يرى مراقبون أن هذا التصعيد الميداني يعكس صراع الإرادات ومحاولة كل طرف تحسين شروطه التفاوضية على الطاولة. وفي هذا الصدد، دعا علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، إلى عدم التعويل على ما وصفه بـ”سراب التسويات”، معتبراً أن صعود إيران كقوة محورية فرض معادلة قوة جديدة في المنطقة لا يمكن تجاوزها. وأشار ولايتي إلى أن حاجة الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب لتأمين مضيق هرمز تبرهن على فشل سياسة الضغوط القصوى وتؤكد أهمية توازن القوى الإقليمي في فرض أي سلام دائم. ويحذر الخبراء من أن استمرار تبادل الضربات العسكرية قد يؤدي إلى خروج الأمور عن السيطرة، مما يهدد ليس فقط أمن دول الخليج العربي كالكويت والبحرين، بل يمتد تأثيره ليعصف بأسواق الطاقة العالمية والاقتصاد الدولي بأكمله، ما يجعل الأسابيع القادمة حاسمة في تحديد مسار المنطقة بين التهدئة الشاملة أو الانفجار الكبير.


