في تطور يعكس عمق الخلافات داخل أقوى تحالف عسكري في العالم، تدرس وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) مجموعة من الخيارات العقابية ضد حلفاء في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويأتي هذا التحرك على خلفية ما تعتبره واشنطن تقاعسًا أو ترددًا من بعض الدول الأعضاء في دعم عملياتها العسكرية، مما يفتح الباب أمام فرض العقوبات الأمريكية كأداة ضغط غير مسبوقة بين الحلفاء. ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول أمريكي أن هناك حالة من الإحباط الشديد في واشنطن تجاه مواقف بعض الشركاء الأوروبيين.
جذور الأزمة: أبعد من مجرد خلاف عابر
لم تظهر هذه التوترات من فراغ، بل هي نتاج تراكمات وسنوات من الخلافات حول تقاسم الأعباء الدفاعية. لطالما طالبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وبشكل خاص إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، حلفاء الناتو بالالتزام بإنفاق ما لا يقل عن 2% من ناتجهم المحلي الإجمالي على الدفاع، وهو هدف لم تحققه غالبية الدول الأعضاء. هذا الخلاف المالي تحول تدريجيًا إلى أزمة ثقة سياسية، حيث تشعر واشنطن بأنها تتحمل العبء الأكبر في توفير الأمن العالمي، بينما يتردد حلفاؤها في تقديم الدعم اللازم خلال الأزمات الكبرى، مثل التوترات الأخيرة مع إيران والملاحة في مضيق هرمز.
خيارات عقابية قاسية على طاولة البنتاغون
تكشف المذكرة الداخلية التي يتم تداولها في البنتاغون عن طبيعة الإجراءات المقترحة، والتي تتجاوز مجرد التوبيخ الدبلوماسي. من بين الخيارات المطروحة تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، وهو إجراء من شأنه أن يرسل صدمة في أرجاء أوروبا ويضعف الجناح الجنوبي للناتو. كما تتضمن المقترحات إعادة النظر في الموقف الأمريكي الداعم لبريطانيا في مطالبتها بجزر فوكلاند، مما يمثل ضغطًا مباشرًا على أحد أقرب حلفاء واشنطن. بالإضافة إلى ذلك، يُدرس منع ممثلي الدول “صعبة المراس” من تولي مناصب قيادية حساسة داخل هيكل الناتو، في محاولة لعزلها سياسيًا وتقليص نفوذها.
تداعيات محتملة: مستقبل التحالف على المحك
إن مجرد طرح فكرة فرض العقوبات الأمريكية على دول أعضاء في الناتو يحمل في طياته تداعيات جيوسياسية خطيرة. يرى المحللون أن مثل هذه الخطوة، إن تمت، قد تؤدي إلى تآكل مبدأ الدفاع المشترك الذي يمثل حجر الزاوية في ميثاق الحلف (المادة الخامسة). كما أنها قد تشجع خصوم الناتو، وعلى رأسهم روسيا، على استغلال هذه الانقسامات لتعزيز نفوذهم وزعزعة استقرار القارة الأوروبية. وبينما أكد المسؤول الأمريكي أن المذكرة لا تقترح إغلاق القواعد الأمريكية في أوروبا أو سحب القوات بشكل كامل، فإن الرسالة واضحة: واشنطن مستعدة لإعادة تقييم طبيعة تحالفاتها الاستراتيجية لضمان أن تكون قائمة على المصالح المتبادلة والالتزام الفعلي، وليس فقط على الروابط التاريخية.


