في خطوة مفاجئة أعادت فتح أحد أكثر جروح الحرب السورية إيلاماً، أعلنت السلطات السورية الجديدة توقيف أمجد يوسف، الضابط السابق في استخبارات النظام السابق والمتهم الرئيسي في ارتكاب مجزرة التضامن. هذا التطور، الذي يأتي بعد سنوات من الصمت الرسمي وسقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، لم يكن مجرد إجراء أمني، بل شكل صدمة أيقظت ذاكرة جماعية مثقلة بالأسئلة المؤجلة، وأشعلت نقاشاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي حول مستقبل العدالة والمحاسبة في سوريا.
القبض على يوسف يعيد إلى الأذهان مشاهد مروعة ظلت طي الكتمان لسنوات طويلة، قبل أن يكشفها تحقيق صحفي استقصائي لجريدة “الغارديان” البريطانية عام 2022، والذي استند إلى مقطع فيديو مسرب، ليصبح دليلاً دامغاً على واحدة من أبشع الجرائم الموثقة خلال النزاع.
ذاكرة لا تموت: تفاصيل صادمة لمجزرة التضامن
تعود وقائع مجزرة التضامن إلى 16 أبريل/نيسان 2013، في خضم المعارك العنيفة التي كانت تشهدها ضواحي العاصمة دمشق. في ذلك اليوم، وفي حي التضامن الدمشقي، تم اقتياد ما لا يقل عن 41 مدنياً معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي إلى حفرة أُعدت مسبقاً، حيث تم إعدامهم بدم بارد وإلقاء جثثهم فوق بعضها البعض. ظلت هذه الجريمة المروعة سراً دفيناً لقرابة تسع سنوات، إلى أن تمكن باحثان من تحديد هوية مرتكبيها عبر تحليل دقيق للفيديو المسرب الذي عُثر عليه في حاسوب محمول يعود لأحد عناصر المخابرات.
الفيديو الصادم أظهر أمجد يوسف، الذي كان يعمل آنذاك في الفرع 227 (فرع المنطقة) التابع لشعبة المخابرات العسكرية، وهو يشارك بفاعلية في عمليات القتل، ويتحدث إلى الضحايا قبل إطلاق النار عليهم. لقد حول هذا التوثيق الجريمة من مجرد رواية شفهية إلى حقيقة مرئية لا تقبل الجدل، ووضع وجهاً واسماً لأحد المسؤولين عن فظائع ارتكبت باسم الدولة.
من منفذ أوامر إلى رمز للمحاسبة
لم يكن توقيف أمجد يوسف ممكناً لولا التغيرات السياسية الجذرية التي شهدتها سوريا. فبعد سقوط النظام السابق، بدأت مرحلة جديدة مليئة بالتحديات، وعلى رأسها ملف العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب. يمثل اعتقال يوسف أول اختبار حقيقي وجاد للسلطات الجديدة في تعاملها مع إرث الماضي الثقيل. لم يعد الأمر يتعلق بملاحقات قضائية في محاكم أوروبية استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، بل أصبح شأناً داخلياً يمس صميم عملية بناء الثقة والمصالحة الوطنية.
يثير هذا الحدث تساؤلات حول مصير آلاف المسؤولين الآخرين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان. هل سيكون اعتقال يوسف بداية لسلسلة من المحاكمات التي تشمل كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية والعسكرية، أم سيبقى حالة معزولة تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مسار العدالة في سوريا لسنوات قادمة.
صدى الاعتقال: آمال بالعدالة ومخاوف من المستقبل
فور انتشار خبر التوقيف، انقسمت ردود أفعال السوريين بين الأمل الحذر والتشكيك العميق. فبينما رأى الكثيرون في هذه الخطوة بارقة أمل طال انتظارها لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا وعائلاتهم، عبر آخرون عن مخاوفهم من أن تكون المحاكمة صورية أو أن تقتصر على محاسبة صغار المنفذين دون الوصول إلى من أصدر الأوامر. مطلب المحاكمة العلنية والشفافة التي تكشف كامل تفاصيل الجريمة وسلسلة القيادة المسؤولة عنها هو ما يوحد معظم الأصوات اليوم.
إن قضية أمجد يوسف تتجاوز كونه فرداً ليصبح رمزاً لمرحلة كاملة. إنها قضية الذاكرة السورية، وقدرة المجتمع على مواجهة ماضيه الأليم كشرط أساسي لبناء مستقبل مختلف. الطريقة التي سيتم بها التعامل مع ملف مجزرة التضامن ستكون مؤشراً واضحاً على ما إذا كانت سوريا الجديدة قادرة فعلاً على طي صفحة الإفلات من العقاب، وتأسيس دولة تقوم على سيادة القانون واحترام كرامة الإنسان.


