في تصعيد جديد للعلاقات بين واشنطن وأوتاوا، طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الحكومة الكندية بدفع تعويضات للولايات المتحدة عن الأضرار الناجمة عن دخان حرائق كندا الذي اجتاح مساحات واسعة من البلاد. ولم يكتفِ ترمب بذلك، بل لوّح بإمكانية فرض رسوم جمركية إضافية على السلع الكندية إذا لم تبذل أوتاوا جهودًا أكبر للسيطرة على الحرائق المستعرة في غاباتها.
وجاءت تصريحات ترمب للصحفيين عقب عودته من حضور المباراة النهائية لكأس العالم لكرة القدم، حيث قال إنه أبلغ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بضرورة احتواء حرائق الغابات التي تسببت في تدهور جودة الهواء داخل الولايات المتحدة. وأضاف: “لدي علاقة جيدة مع مارك كارني، لكن يجب علينا وقف الحرائق هناك. ربما ينبغي عليهم دفع بعض التعويضات لنا أو شيء من هذا القبيل، أو ينبغي لنا فرض بعض الرسوم الجمركية”، في إشارة واضحة إلى احتمال اتخاذ إجراءات اقتصادية ضد كندا إذا استمرت تداعيات الحرائق.
أزمة بيئية عابرة للحدود
تأتي هذه المطالب في سياق واحد من أسوأ مواسم حرائق الغابات في تاريخ كندا الحديث. فخلال الأشهر الماضية، اندلعت مئات الحرائق في مقاطعات عدة، أبرزها أونتاريو وكيبيك، وأتت على ملايين الهكتارات من الغابات. ويربط الخبراء شدة هذه الحرائق واتساعها بظاهرة التغير المناخي التي أدت إلى موجات جفاف طويلة وارتفاع قياسي في درجات الحرارة، مما خلق ظروفًا مثالية لانتشار النيران بسرعة وخروجها عن السيطرة.
ولم تقتصر آثار هذه الكارثة البيئية على كندا وحدها، بل امتدت لتشكل أزمة صحية وبيئية في الولايات المتحدة. فقد حملت التيارات الهوائية كميات هائلة من الدخان والجسيمات الدقيقة (PM2.5) عبر الحدود، مغطية سماء مدن أمريكية كبرى مثل نيويورك وشيكاغو وواشنطن العاصمة بضباب كثيف، مما أدى إلى تدهور جودة الهواء إلى مستويات خطيرة. وأصدرت السلطات الصحية الأمريكية تحذيرات متكررة للمواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض التنفسية، بالبقاء في منازلهم وتجنب الأنشطة الخارجية.
من تلوث الهواء إلى توتر دبلوماسي بسبب دخان حرائق كندا
تصريحات الرئيس ترمب تحوّل أزمة بيئية مشتركة إلى ملف خلافي سياسي واقتصادي. فربط قضية بيئية عابرة للحدود بإجراءات تجارية عقابية يمثل تصعيدًا غير مسبوق في التعامل مع الكوارث الطبيعية بين البلدين الجارين. ويرى مراقبون أن هذا النهج قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من التوترات التجارية بين واشنطن وأوتاوا، والتي شهدت بالفعل خلافات حول الرسوم الجمركية والسياسات التجارية في السنوات الأخيرة.
على الصعيد الدولي، يسلط هذا الخلاف الضوء على التحديات المتزايدة التي تفرضها الأزمات المناخية على العلاقات الدبلوماسية. فمع تزايد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة، أصبحت الدول أكثر تأثرًا بما يحدث خارج حدودها، مما يستدعي مستويات أعلى من التعاون الدولي بدلاً من تبادل الاتهامات. وتؤكد السلطات الكندية أنها تبذل قصارى جهدها لمكافحة الحرائق، التي تواجه تحديات استثنائية بسبب اتساع رقعتها والظروف المناخية القاسية، مشيرة إلى أن مكافحتها تتطلب تضافر الجهود الإقليمية والدولية.


