في تحول سياسي لافت، تسلم آندي بورنهام منصب رئيس وزراء بريطانيا، ليفتح صفحة جديدة في المشهد السياسي المضطرب للمملكة المتحدة. يأتي صعود بورنهام، الذي بنى شعبيته كعمدة لمانشستر الكبرى، في أعقاب الاستقالة المفاجئة لسلفه كير ستارمر، الذي لم تدم فترة رئاسته طويلاً. يتعهد بورنهام بإعادة توجيه مسار الدولة والتركيز بشكل مباشر على القضايا التي تهم المواطنين، وعلى رأسها أزمة تكاليف المعيشة وتحديات الخدمات العامة.
جاء تولي بورنهام للمنصب رسمياً بعد أن ألقى كير ستارمر كلمة وداعه أمام المقر الرسمي في 10 داوننغ ستريت، قبل أن يقدم استقالته إلى الملك تشارلز الثالث، الذي كلف بدوره بورنهام بتشكيل الحكومة الجديدة. وبذلك، يصبح بورنهام سابع رئيس وزراء تشهده بريطانيا خلال عقد واحد، مما يعكس حالة عدم الاستقرار السياسي التي مرت بها البلاد منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
من “ملك الشمال” إلى داوننغ ستريت
يمثل وصول آندي بورنهام إلى قمة السلطة تتويجاً لمسيرة سياسية فريدة. بعد محاولتين غير ناجحتين للفوز بزعامة حزب العمال في عامي 2010 و2015، ابتعد بورنهام عن سياسات وستمنستر المركزية ليتولى منصب عمدة مانشستر الكبرى في عام 2017. خلال فترة عمله كعمدة، اكتسب شعبية واسعة ولقب “ملك الشمال” لدفاعه القوي عن مصالح منطقته في مواجهة الحكومة المركزية، خاصة خلال الخلافات حول قيود جائحة كورونا. هذه التجربة منحته صورة السياسي القريب من هموم الناس خارج العاصمة، وهو ما يرى أنصاره أنه سيساعده على فهم ومعالجة الانقسامات العميقة في البلاد.
إرث ستارمر القصير والتحديات الماثلة
يرث بورنهام تركة معقدة من حكومة ستارمر التي وصلت إلى السلطة في عام 2024 بآمال عريضة، لكنها سرعان ما واجهت تراجعاً في شعبيتها. يُعزى هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل، أبرزها غياب رؤية سياسية واضحة، والتراجع عن بعض الوعود الانتخابية، وتفاقم الضغوط الاقتصادية. كما شكل صعود حزب “ريفرم يو كيه” (Reform UK) بقيادة نايجل فاراج تهديداً مباشراً لقاعدة حزب العمال التقليدية، مما أدى إلى خسائر انتخابية محلية وزاد من الضغوط على ستارمر، ومهد الطريق في النهاية لاستقالته. يواجه بورنهام الآن قائمة طويلة من التحديات الملحة، تشمل ضعف النمو الاقتصادي، وارتفاع الدين العام، وتدهور الخدمات الأساسية مثل هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) وأزمة شركات المياه المتعثرة.
رؤية بورنهام لمستقبل بريطانيا
في خطاباته الأولى، شدد بورنهام على نيته قيادة “سياسة أكثر استقراراً ومسؤولية”، متعهداً بـ”إعادة توصيل” بريطانيا بمواطنيها. يُعرف بورنهام بتبنيه نهجاً يصفه بـ”الاشتراكية الصديقة للأعمال”، في محاولة للموازنة بين الحاجة إلى تدخل حكومي أكبر في القطاعات الحيوية والحفاظ على ثقة الأسواق والقطاع الخاص. ستتجه الأنظار الآن إلى قراراته الأولى، لا سيما تشكيل فريقه الوزاري الذي سيكون عليه تحقيق التوازن بين مختلف أجنحة حزب العمال. كما أن سياساته المتعلقة بالضرائب والإنفاق العام ستكون تحت المجهر، حيث يسعى لإثبات قدرته على تحويل وعود التغيير إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المواطن العادي قبل الانتخابات العامة المقررة في عام 2029.


