انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشدة التصويت الأخير الذي أجراه مجلس النواب الأمريكي، والذي يهدف إلى الحد من صلاحيات ترمب العسكرية في إدارة العمليات الحربية، واصفاً هذه الخطوة بأنها “غير وطنية” و”لا قيمة لها”. وأكد الرئيس الأمريكي أن هذا القرار الرمزي يأتي في توقيت حساس للغاية، حيث يقوض الجهود الدبلوماسية والمفاوضات النهائية التي تقودها الإدارة الأمريكية لإنهاء الصراع والتوصل إلى تسوية شاملة مع إيران.
صراع الصلاحيات بين البيت الأبيض والكونغرس
يعكس هذا الخلاف الدستوري والسياسي صراعاً تاريخياً ممتداً في الولايات المتحدة حول “صلاحيات الحرب” بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وتعود جذور هذا الصراع إلى “قانون صلاحيات الحرب” لعام 1973 (War Powers Resolution)، الذي يسعى الكونغرس من خلاله إلى كبح جماح القرارات العسكرية الفردية للرؤساء الأمريكيين. وفي السياق الحالي، يرى الديمقراطيون وبعض الجمهوريين المحافظين أن انفراد الرئيس بقرار الحرب قد يجر البلاد إلى نزاعات إقليمية غير محسوبة، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة. في المقابل، تتمسك الإدارة الأمريكية بحقها الدستوري في حماية الأمن القومي واتخاذ قرارات سريعة وحاسمة لردع التهديدات الخارجية دون قيود برلمانية قد تشل حركتها.
تفاصيل التصويت والانقسام الحزبي الداخلي
صوّت مجلس النواب لصالح مشروع القرار بأغلبية ضئيلة بلغت 215 صوتاً مقابل 208 أصوات، بعد أن انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الصف الديمقراطي، وهم: توماس ماسي، وبراين فيتزباتريك، وتوم باريت، ووارن ديفيدسون. وقاد هذا المشروع النائب الديمقراطي البارز جريجوري ميكس، عضو لجنة الشؤون الخارجية، حيث يقضي القرار بسحب القوات الأمريكية من أي أعمال عدائية ضد إيران ما لم يحصل البيت الأبيض على تفويض رسمي أو إعلان حرب من الكونغرس. ورغم أن القرار يحمل طابعاً رمزياً وغير ملزم قانونياً للرئيس لإنهاء العمليات الجارية، إلا أنه يمهد الطريق لزخم أكبر في مجلس الشيوخ، الذي يدرس نسخة أكثر إلزاماً قد تجبر الإدارة على التراجع ما لم تحصل على الضوء الأخضر من المشرعين.
كيف يؤثر تقييد صلاحيات ترمب العسكرية على ملف إيران؟
عبر منصته “تروث سوشيال”، شن الرئيس الأمريكي هجوماً لاذعاً على المشرعين، متهماً إياهم بالإصابة بـ “متلازمة كراهية ترمب” التي تدفعهم لتفضيل إفشال بلادهم على منحه انتصاراً دبلوماسياً جديداً. وأوضح رئيس مجلس النواب مايك جونسون، إلى جانب غالبية الأعضاء الجمهوريين، أن هذا التوقيت يضر بالأمن القومي؛ إذ إن إظهار الانقسام الداخلي يضعف الموقف التفاوضي للولايات المتحدة أمام القيادة الإيرانية. ومن الناحية الإقليمية والدولية، فإن تقييد صلاحيات ترمب العسكرية قد يبعث برسائل خاطئة لطهران وحلفائها حول تراجع القدرة الردعية الأمريكية، مما قد يشجع على مزيد من التصعيد في الممرات المائية الحيوية ومنشآت الطاقة بالمنطقة، في وقت تسعى فيه واشنطن لفرض شروطها التفاوضية من موقع قوة.
تداعيات القرار على الساحة السياسية الأمريكية
من جانبه، وصف رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، براين ماست، التصويت بأنه “خطوة سياسية غير مجدية”، مشيراً إلى أنه لا توجد سلطة دستورية واضحة للبرلمان لتحديد تفاصيل انتشار القوات وسحبها بهذه الطريقة. ومع ذلك، فإن هذا التصويت يسلط الضوء على عمق الاستقطاب السياسي الداخلي في واشنطن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. ويخشى مراقبون أن تؤدي هذه المعارك التشريعية المستمرة إلى شلل في السياسة الخارجية الأمريكية، مما يحد من مرونة الإدارة في التعامل مع الأزمات الدولية المتسارعة، ويجعل من الصعب التنبؤ بمسار العلاقات الأمريكية الإيرانية في المستقبل القريب.


