يُقال إن التاريخ لا يعيد نفسه، لكن أحداثه قد تتشابه في جوهرها وإن اختلفت أزمنتها وأدواتها. وفي قلب شبه الجزيرة العربية، يتجلى صراع ممتد بين رؤيتين متناقضتين: الأولى تمثلها القيم السعودية القائمة على بناء الدولة الحديثة والاستقرار والتنمية، والثانية تجسدها الأيديولوجيا الإمامية التي تسعى لفرض وصاية دينية وسياسية تعود بالمنطقة إلى عصور الانغلاق. وما نشهده اليوم في اليمن منذ سيطرة ميليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، ليس إلا صدى لمواجهة تاريخية حدثت قبل قرن من الزمان، حين تصدت دولة التوحيد السعودية الناشئة لمساعي التوسع والهيمنة من قبل إمامة اليمن.
جذور الصراع: نظرة على المواجهة الأولى في ثلاثينيات القرن العشرين
في مطلع القرن العشرين، كانت المنطقة تشهد تحولات جيوسياسية كبرى. فبينما كان الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود -طيّب الله ثراه- يوحد أرجاء المملكة العربية السعودية على أساس دولة مدنية حديثة ترعى مصالح مواطنيها وتؤمن حدودها، كانت المملكة المتوكلية اليمنية تحت حكم الإمام يحيى حميد الدين، تتبنى نهجاً توسعياً قائماً على أيديولوجيا الحق الإلهي في الحكم. هذا التباين في الرؤى أدى إلى اندلاع الحرب السعودية اليمنية عام 1934، والتي لم تكن مجرد نزاع حدودي، بل صراعاً بين مشروع دولة حديثة ومشروع إمامة تقليدية. انتهى ذلك الصراع بتوقيع معاهدة الطائف التي رسمت الحدود وأرست أسس علاقة مستقرة، لكنها لم تنهِ التباين الأيديولوجي العميق.
صدى التاريخ: كيف وثقت رسائل محايدة طبيعة الأيديولوجيا الإمامية؟
تقدم الوثائق التاريخية شهادات حية على طبيعة هذا الصراع. وتبرز في هذا السياق الرسائل المحفوظة في أرشيف أسرة الحمد الكويتية، والتي نشرها الدكتور فيصل عادل الوزان في كتابه “الحرب السعودية اليمنية في وثائق أسرة الحمد الكويتية”. هذه الرسائل، التي كتبها التاجر الكويتي خالد الحمد من عدن بين عامي 1924 و1936، تقدم رؤية محايدة من طرف ثالث كان يراقب الأحداث عن كثب. تكشف رسائله عن الفارق الشاسع بين المناطق التي دخلت تحت الحكم السعودي وتلك التي بقيت تحت حكم الإمامة. ففي رسائله، يصف الحمد كيف نعمت مناطق مثل جيزان بالأمن والاستقرار والتنمية بعد انضمامها للدولة السعودية، حيث أُعفيت الأراضي الزراعية من الضرائب المجحفة، وأُصلحت الأحوال، وشعر الناس بالعدل. في المقابل، يصف الأوضاع تحت حكم الإمام بالفقر والتخلف والظلم، حيث كانت التجارة معطلة، والضرائب باهظة، والحياة يسودها الخوف والركود. هذه الشهادات تؤكد أن الصراع لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان صراعاً بين قيم البناء وقيم الهدم.
تجدد المواجهة: الأيديولوجيا الإمامية في ثوبها الحوثي
بعد مرور عقود، عادت نفس الأيديولوجيا للظهور، ولكن هذه المرة في شكل ميليشيا الحوثي. فبعد قيام الجمهورية اليمنية، بقيت هذه الأفكار كامنة حتى وجدت الظروف المواتية للظهور مجدداً بدعم إقليمي واضح. إن سيطرة الحوثيين على صنعاء وتفكيكهم لمؤسسات الدولة المدنية، واستبدالها بحكم ميليشياوي طائفي، هو تكرار لنفس منطق الإمامة القديم الذي يرفض الدولة الوطنية الحديثة ويسعى لفرض رؤية أيديولوجية ضيقة بالقوة. وكما تصدى الملك عبد العزيز لمشروع الإمامة في الماضي لحماية حدود دولته وتأمين استقرار المنطقة، تقود المملكة العربية السعودية اليوم تحالفاً لدعم الشرعية في اليمن، في مواجهة لنفس الفكر الذي يهدد أمن اليمن والمنطقة بأسرها. إن المقارنة بين ما دونه التاجر الحمد قبل 100 عام وما نراه اليوم، يوضح أن القيم السعودية ظلت ثابتة في سعيها نحو الخير والنماء والاستقرار، بينما بقيت الأيديولوجيا الإمامية، سواء في نسختها القديمة أو الحوثية، مرتبطة بالخراب والفقر والجهل والتخلف.


