في خطوة تعكس مرحلة جديدة من التعاون الثنائي، وقّعت المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية في الرياض، مذكرة تفاهم سعودية سورية تهدف إلى تعزيز الجهود المشتركة في مجال منع الفساد ومكافحته. وجرت مراسم التوقيع بمقر هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودية (نزاهة)، التي مثّلت الجانب السعودي، بينما مثّل الجانب السوري الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش.
ومثّل المملكة في توقيع المذكرة معالي رئيس هيئة الرقابة ومكافحة الفساد الأستاذ مازن بن إبراهيم الكهموس، فيما مثّل الجانب السوري رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش المهندس عامر نامس العلي. وتأتي هذه الاتفاقية كإحدى الثمار الملموسة لعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتفعيل التعاون المؤسسي بينهما في مختلف المجالات الحيوية.
مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية
تكتسب هذه المذكرة أهميتها من كونها تأتي في سياق أوسع من التقارب العربي-العربي، وتحديداً بعد عودة سوريا لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية في مايو 2023. فبعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية التي فرضتها تداعيات الأزمة السورية، بدأت العلاقات بين الرياض ودمشق تشهد انفراجاً تدريجياً، توّج بإعادة فتح السفارات واستئناف التعاون. وتُعد هذه الاتفاقية خطوة عملية لترجمة التفاهمات السياسية إلى إجراءات مؤسسية تخدم مصالح البلدين، وتساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال معالجة التحديات المشتركة.
أهداف المذكرة وأبعادها الاستراتيجية
تهدف مذكرة التفاهم بشكل أساسي إلى إرساء إطار للتعاون الثنائي في مجال مكافحة جرائم الفساد العابرة للحدود، والتي تشكل تهديداً خطيراً على اقتصادات الدول وأمنها الاجتماعي. وينص الاتفاق على تبادل المعلومات والخبرات المتعلقة بجرائم الفساد، وتنسيق الجهود في التحقيقات، بالإضافة إلى تطوير وتعزيز القدرات المؤسسية لدى الطرفين من خلال برامج التدريب وورش العمل المشتركة. ويُعد هذا التعاون ضرورياً لمواجهة الشبكات الإجرامية المنظمة التي تستغل الثغرات الإدارية والمالية لارتكاب جرائم مثل غسيل الأموال والتهريب.
مكافحة الجرائم المنظمة ضمن مذكرة تفاهم سعودية سورية
لا يقتصر تأثير هذه المذكرة على الفساد الإداري والمالي التقليدي، بل يمتد ليشمل مكافحة الجرائم المنظمة التي ترتبط به ارتباطاً وثيقاً، وعلى رأسها تهريب المخدرات. وتُعتبر مكافحة تهريب مادة الكبتاجون، التي انتشرت بشكل واسع في المنطقة خلال السنوات الماضية، أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه المملكة ودول الجوار. ومن خلال تعزيز الرقابة والنزاهة على المنافذ الحدودية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، يمكن لهذه الاتفاقية أن تلعب دوراً محورياً في تفكيك الشبكات المسؤولة عن إنتاج وتهريب هذه المواد.
التزام مشترك نحو الشفافية والنزاهة
تنسجم هذه الخطوة مع رؤية المملكة 2030 التي تضع الشفافية وحماية النزاهة ومكافحة الفساد على رأس أولوياتها كركائز أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وجذب الاستثمارات. وخلال مراسم التوقيع، تم بحث سبل تعزيز التعاون واستعراض أبرز الإجراءات والممارسات التي تنفذها “نزاهة” لتعزيز مبادئ الشفافية. ومن جانبه، يمثل هذا الاتفاق بالنسبة لسوريا خطوة مهمة نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز ثقة المجتمع الدولي بها، مما يمهد الطريق لمزيد من التعاون الاقتصادي والتنموي في المستقبل.


