أقرت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في المملكة العربية السعودية حزمة من الإجراءات التنظيمية الجديدة، حيث يأتي اعتماد ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي في المحتوى الإعلامي كخطوة استراتيجية لتعزيز الشفافية وموثوقية المواد المنشورة. وأكد خبراء قانونيون وتقنيون أن هذه الضوابط تمثل سياجاً حامياً للمجتمع من الممارسات المضللة والجرائم الرقمية، خاصة مع الطفرة الهائلة التي تشهدها الساحة الإعلامية في تبني التقنيات التوليدية الحديثة.
تأتي هذه الخطوة في سياق تاريخي متسارع؛ فمنذ إطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي عالمياً في أواخر عام 2022، واجهت المؤسسات الإعلامية والقانونية تحديات غير مسبوقة تتعلق بالملكية الفكرية وفبركة الحقائق. ولم تكن المملكة بمعزل عن هذا الحراك التقني، إذ تسعى من خلال رؤية 2030 إلى قيادة المنطقة في مجالات التحول الرقمي الآمن، مما استدعى صياغة أطر قانونية واضحة تمنع الفوضى الرقمية وتضمن الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا الحديثة.
أهمية تطبيق ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي والمسؤولية القانونية
أوضح المحامي والمستشار القانوني فيصل العصيمي لصحيفة «عكاظ»، أن هذه الضوابط فرضت التزاماً صارماً على المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى بالإفصاح الواضح والصريح عن أي مادة (مرئية، مسموعة، أو مكتوبة) تم إنتاجها أو تعديلها بواسطة الآلة. وشدد العصيمي على أن القوانين السعودية لا تتهاون مع التضليل؛ حيث إن “الحذف لا يسقط العقوبة”. فبمجرد نشر محتوى زائف أو منتحل، تكتمل أركان الجريمة المعلوماتية وتخضع للمحاسبة بموجب نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية ونظام حماية البيانات الشخصية، والتي تشمل عقوباتها السجن، الغرامات المالية، ومصادرة الأجهزة المستخدمة.
مخاطر التزييف العميق وانتحال الشخصيات رقمياً
تتضمن الضوابط الجديدة حظراً صريحاً لتقنيات “التزييف العميق” (Deepfake) وانتحال الأصوات، وهي ممارسات باتت تهدد السلم المجتمعي وتُستخدم في عمليات الاحتيال والتشهير. وأشار العصيمي إلى أن الفترة المقبلة قد تشهد ارتفاعاً في القضايا المرتبطة بالجرائم الرقمية نتيجة سهولة تقليد الأصوات والصور بدقة عالية يصعب على الشخص العادي تمييزها. لذلك، فإن القوانين تحمي خصوصية الأفراد وتمنع استغلال الفئات الضعيفة مثل الأطفال، وتمنع نشر أي محتوى يثير البلبلة أو يمس بالقيم الدينية والوطنية.
من الرفاهية التقنية إلى الدمج الهيكلي في غرف الأخبار
من جانبه، أكد الدكتور سلمان بن وهف، رئيس كرسي أبحاث التقنيات الناشئة وجيل الاتصالات الخامس بجامعة الملك سعود، أن حوكمة الإعلام الرقمي تعد “صمام أمان” حقيقي. وأوضح أن أدوات الذكاء الاصطناعي تجاوزت مرحلة الرفاهية التقنية لتصبح جزءاً هيكلياً في غرف الأخبار الحديثة، حيث تُستخدم في أتمتة المهام الروتينية، تحليل البيانات الضخمة، والترجمة الفورية.
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، يرى خبراء أن التجربة السعودية في تقنين الذكاء الاصطناعي ستكون نموذجاً يحتذى به في المنطقة العربية، حيث تسهم في رسم حدود واضحة بين الإبداع البشري والتوليد الآلي، مما يحافظ على مكانة الإعلام كشريك موثوق في بناء الوعي الوطني ومواجهة الشائعات العابرة للحدود.


