كشفت دراسة وطنية حديثة عن إحصاءات دقيقة ومقلقة حول واقع سرطان العظام في السعودية، حيث تم تسجيل 2275 حالة إصابة بالمرض على مدى 17 عاماً، في الفترة الممتدة من 2004 إلى 2020. وأظهرت النتائج، التي نشرتها مجلة «Frontiers in Oncology» العلمية المرموقة، أن فئة المراهقين والشباب تتصدر خريطة المرض، مع تركيز ملحوظ للإصابات في الفئة العمرية بين 10 و19 عاماً، مما يدق ناقوس الخطر حول صحة هذه الشريحة السكانية الحيوية.
ويُعد سرطان العظام الأولي، الذي ينشأ مباشرة في نسيج العظم، من الأورام النادرة نسبياً مقارنة بأنواع السرطان الأخرى، لكن خطورته تكمن في تأثيره الكبير على حياة المرضى، خاصةً عند تشخيصه في مراحل عمرية مبكرة. وتساعد دراسات الأوبئة السرطانية، كتلك التي أجراها باحثون من جامعة الباحة والمديرية العامة للشؤون الصحية بالمنطقة، في رسم صورة واضحة عن انتشار المرض وتوزيعه الديموغرافي والجغرافي. هذه البيانات تشكل حجر الزاوية في وضع استراتيجيات صحية وطنية فعالة، تهدف إلى تحسين سبل الوقاية والكشف المبكر، وتخصيص الموارد الطبية اللازمة لمواجهة هذا التحدي الصحي.
المراهقون في دائرة الخطر: إحصاءات مقلقة حول سرطان العظام في السعودية
اعتمدت الدراسة في تحليلها على بيانات السجل السعودي للأورام، مستبعدةً الأورام المنتقلة إلى العظام من أعضاء أخرى والأورام الحميدة. وكشفت الأرقام أن الذكور يتحملون العبء الأكبر من المرض، حيث بلغ عدد الحالات بينهم 1318 حالة (57.9%)، مقابل 957 حالة بين الإناث (42.1%). وعند تحليل الفئات العمرية الأكثر تأثراً، لوحظ أن الذكور في سن 15 إلى 19 عاماً هم الأكثر عرضة للإصابة بـ 305 حالات (23.1%)، تلتهم الفئة من 10 إلى 14 عاماً بـ 241 حالة (18.3%). وشكلت هاتان الفئتان مع فئة 20-24 عاماً ما يزيد عن نصف إجمالي الحالات المسجلة لدى الذكور.
أما لدى الإناث، فقد كانت الفئة العمرية من 10 إلى 14 عاماً هي الأكثر تسجيلاً للحالات بـ 182 حالة (19.0%)، تليها مباشرة الفئة من 15 إلى 19 عاماً بـ 175 حالة (18.3%). وتشير هذه الأرقام بوضوح إلى أن فترة النمو السريع خلال المراهقة قد تكون نافذة حرجة لظهور هذا النوع من السرطان، مما يستدعي تكثيف الوعي حول أعراضه الأولية كآلام العظام المستمرة والتورم غير المبرر.
خريطة المرض: تباين جغرافي يثير التساؤلات
لم تقتصر نتائج الدراسة على التحليل الديموغرافي فحسب، بل امتدت لتكشف عن تباين واضح في معدلات الإصابة بين مناطق المملكة المختلفة. وسجلت منطقة الجوف أعلى معدل إصابة معياري عمرياً بين الذكور (1.25 لكل 100 ألف نسمة)، بينما كانت منطقة جازان الأدنى (0.39 لكل 100 ألف). أما بين الإناث، فقد سجلت منطقة الرياض المعدل الأعلى (0.78 لكل 100 ألف)، في حين كانت مناطق مثل الباحة ونجران وجازان ضمن الأدنى. هذا التباين الجغرافي يفتح الباب أمام أبحاث مستقبلية لدراسة العوامل المحتملة وراءه، والتي قد تشمل عوامل وراثية، أو بيئية، أو أنماطاً حياتية مختلفة.
ورغم أن الدراسة تؤكد أن سرطان العظام لا يزال مرضاً نادراً على المستوى الوطني، إلا أن تركزه في فئات عمرية صغيرة يمنحه أهمية صحية خاصة. فالعلاج غالباً ما يكون معقداً ويتطلب تدخلاً جراحياً وعلاجاً كيماوياً، مما يترك آثاراً طويلة الأمد على حركة المريض وجودة حياته. وتنسجم هذه الجهود البحثية مع أهداف رؤية 2030 التي تضع تحسين جودة الرعاية الصحية ورفع متوسط العمر الصحي للمواطنين على رأس أولوياتها.


