شهدت الساحة الميدانية تصعيداً عسكرياً خطيراً، حيث أسفر الهجوم الروسي على أوكرانيا الأخير عن مقتل ما لا يقل عن 18 شخصاً وإصابة أكثر من 100 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. وجاء هذا الهجوم المكثف، الذي استهدف العاصمة كييف ومدينة دنيبرو ومدناً أخرى في أنحاء البلاد، بعد تحذيرات استخباراتية استمرت لعدة أيام تشير إلى نية موسكو شن ضربات واسعة النطاق، ليكون هذا الاستهداف هو الثالث من نوعه على العاصمة الأوكرانية في أقل من شهر واحد.
تفاصيل الهجوم الروسي على أوكرانيا وترسانة الأسلحة المستخدمة
وفقاً لبيانات سلاح الجو الأوكراني، أطلقت القوات الروسية موجة ضخمة شملت 656 طائرة مسيرة و73 صاروخاً استهدفت البنية التحتية الحيوية ومنشآت الطاقة. ومن بين الصواريخ المستخدمة، تم رصد 33 صاروخاً باليستياً وثمانية صواريخ من طراز “تيسيركون” (Zircon) الفرط صوتية، والتي تصنف كواحدة من أعقد المنظومات الصاروخية التي يصعب اعتراضها نظراً لسرعتها الفائقة التي تفوق سرعة الصوت بتسعة أضعاف ومداها الذي يصل إلى 1000 كيلومتر. ورغم إعلان الدفاعات الجوية الأوكرانية عن إسقاط 40 صاروخاً و602 طائرة مسيرة، إلا أنها عجزت عن اعتراض صواريخ “تيسيركون” المتطورة.
أزمة الدفاع الجوي ومطالب كييف العاجلة
في ظل هذا القصف العنيف، جدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مناشدته للمجتمع الدولي، وخاصة واشنطن، بضرورة تزويد بلاده بصواريخ اعتراضية إضافية لمنظومات “باتريوت” لتعويض النقص الحاد في مخزون الدفاع الجوي. وأكد زيلينسكي عبر منصة تليجرام أن هذا الهجوم الواسع يثبت أنه بدون حماية حقيقية ضد الصواريخ الباليستية، فإن موسكو ستواصل ضرباتها بلا رادع. من جانبه، دعا وزير الخارجية الأوكراني، أندري سيبيها، الشركاء الدوليين إلى اتخاذ خطوات ملموسة وفرض عقوبات أشد للضغط على الكرملين، مؤكداً أن جهود السلام لن تنجح دون ضغط حقيقي ومستمر.
السياق التاريخي وجذور الصراع المستمر
يأتي هذا التصعيد الجديد في سياق حرب طاحنة دخلت عامها الثالث، ممتدة الجذور إلى عام 2014 مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم والنزاع في إقليم دونباس، قبل أن تتحول إلى غزو شامل في فبراير 2022. وطوال هذه الفترة، ركزت الاستراتيجية الروسية خلال فصول الشتاء على استهداف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا لإضعاف الروح المعنوية والقدرات الصناعية للبلاد، بينما كثفت كييف هجماتها المضادة باستخدام الطائرات المسيرة لضرب منشآت النفط والمستودعات الحيوية داخل العمق الروسي، مع نفي الطرفين المستمر لاستهداف المدنيين بشكل مباشر.
التداعيات الإقليمية والدولية للتصعيد العسكري
تتجاوز آثار هذا الهجوم المكثف الحدود الأوكرانية لتلقي بظلالها على الأمن الأوروبي والدولي؛ فقد سارعت بولندا، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى إرسال طائرات حربية لتأمين مجالها الجوي خشية حدوث أي خروقات أو سقوط صواريخ طائشة بالقرب من حدودها. وعلى الجانب الآخر، يرى الكرملين أن الحرب دخلت “نمطاً جديداً” رداً على ما وصفه بـ “الأفعال الإرهابية غير الإنسانية” الأوكرانية ضد المدنيين، مشيراً إلى هجوم سابق بطائرات مسيرة استهدف سكناً طلابياً في منطقة لوجانسك الخاضعة للسيطرة الروسية وأسفر عن مقتل 21 شخصاً، وهو ما نفته كييف. هذا الاستقطاب الحاد ينذر بإطالة أمد الصراع وزيادة تعقيد أي مساعٍ دبلوماسية مستقبلية لوقف إطلاق النار.


