أعلنت روسيا عن قلقها البالغ ووجهت تحذيراً شديد اللهجة، معتبرة أن تحركات النرويج النووية الأخيرة بالتعاون مع فرنسا تمثل “تهديداً للأمن القومي الروسي”. وتوعدت موسكو بأن هذه الخطوات لن تمر دون “رد مناسب”، مما يفتح الباب أمام فصل جديد من التوترات في منطقة الشمال الأوروبي التي تشهد بالفعل حالة من الاستقطاب العسكري والسياسي المتزايد.
جاء هذا التصعيد في أعقاب إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عقب محادثات مع رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره في باريس، عن موافقة أوسلو على الانضمام إلى مبادرة “الردع النووي المتقدم” الفرنسية. ووصفت البعثة الدبلوماسية الروسية في أوسلو هذا التطور بأنه خطوة استفزازية، مؤكدة أن موسكو تتابع عن كثب تطورات التعاون بين النرويج وفرنسا في هذا المجال الحساس، وأنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها الاستراتيجية.
أبعاد استراتيجية في منطقة القطب الشمالي
يكتسب هذا التعاون أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للنرويج، العضو المؤسس في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي تشترك في حدود برية وبحرية مع روسيا في منطقة القطب الشمالي. تاريخياً، اتبعت النرويج سياسة تهدف إلى طمأنة جارتها الشرقية من خلال عدم السماح بوجود قواعد عسكرية أجنبية دائمة أو أسلحة نووية على أراضيها في زمن السلم. لكن هذا الموقف شهد تحولاً تدريجياً، خاصة بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 والغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022، مما دفع أوسلو إلى تعزيز تعاونها الدفاعي داخل إطار الناتو.
من وجهة نظر موسكو، فإن أي تقارب نووي لدولة حدودية مثل النرويج مع قوة نووية مثل فرنسا يُعتبر تغييراً خطيراً في الوضع الراهن. فالمنطقة المتاخمة للنرويج تضم شبه جزيرة كولا، التي تحتضن أسطول الشمال الروسي وجزءاً كبيراً من قدرات الردع النووي الاستراتيجي الروسي، بما في ذلك الغواصات النووية. وبالتالي، فإن أي بنية تحتية أو ترتيبات عسكرية جديدة في المنطقة قد تُفسر على أنها محاولة لتقويض هذه القدرات الحيوية.
لماذا تعتبر روسيا تحركات النرويج النووية تهديداً؟
يرى المحللون أن الرد الروسي الحاد ينبع من عدة مخاوف متداخلة. أولاً، يمثل انضمام النرويج لمبادرة الردع الفرنسية توسيعاً للمظلة النووية الأوروبية بالقرب من حدودها، وهو ما تعتبره روسيا خطوة نحو عسكرة المنطقة وزيادة مخاطر المواجهة المباشرة. ثانياً، تأتي هذه الخطوة في سياق سعي أوروبي متزايد نحو “الاستقلال الاستراتيجي” في مجال الدفاع، مدفوعاً بالشكوك حول مدى الالتزام الأمني الأمريكي طويل الأمد تجاه القارة. هذا التوجه، الذي تقوده فرنسا، يهدف إلى بناء قدرة أوروبية مستقلة على الردع، وهو ما تراه روسيا محاولة لتشكيل تكتل عسكري جديد على حدودها الغربية.
إن تصريحات الرئيس ماكرون حول أن هذا التعاون يعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين ويضيف “قيمة كبيرة” للمبادرة الفرنسية، تؤكد على أن باريس تسعى لبناء شبكة من التحالفات الأمنية لتعزيز دورها القيادي في أوروبا. ومع ذلك، فإن هذه التحركات، من منظور روسي، لا تساهم إلا في تأجيج التوترات وتقليل فرص الحوار، مما يجعل منطقة الشمال الأوروبي والقطب الشمالي مسرحاً محتملاً لمزيد من التصعيد في المستقبل.


