في ظل تصاعد المخاطر الأمنية، تشهد حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز تحولات لافتة، حيث تلجأ ناقلات النفط والغاز إلى ترتيبات تشغيل غير تقليدية لضمان استمرار تدفق إمدادات الطاقة عبر أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، زادت وتيرة عبور السفن للمضيق خلال الأسابيع الأخيرة، مدفوعة بتعاون وثيق بين مالكي السفن والجيش الأمريكي، حيث تفضّل بعض السفن الإبحار ليلاً دون تشغيل الأضواء أو أنظمة التعريف الآلي (AIS) لتجنب الرصد الإلكتروني وتقليل خطر الاستهداف المحتمل.
أهمية مضيق هرمز الاستراتيجية وتاريخ التوترات
يُعد مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي الأهم، حيث يمر عبره ما يقارب خُمس استهلاك النفط العالمي يومياً، مما يجعله نقطة اختناق حيوية للتجارة الدولية. لم تكن التوترات في هذه المنطقة وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى عقود مضت، أبرزها ما عُرف بـ “حرب الناقلات” خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات. واليوم، تتجدد المخاوف في سياق التجاذبات الجيوسياسية بين إيران والدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بشأن البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية المفروضة، مما يدفع طهران أحياناً إلى التلويح بورقة التحكم في المضيق كوسيلة ضغط.
تكتيكات جديدة في مواجهة المخاطر: الإبحار في مضيق هرمز
لمواجهة هذا الواقع الحرج، ابتكرت شركات الشحن بالتعاون مع القوات الأمريكية أساليب جديدة. فبينما تعبر بعض أكبر ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم ضمن مجموعات متتابعة ومنسقة، تختار سفن أخرى أسلوب “الإبحار في الظلام”. يتضمن هذا التكتيك إطفاء الأضواء وتعطيل أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بنظام التعريف الآلي (AIS)، مما يجعل تتبعها إلكترونياً أكثر صعوبة. وفي المقابل، يزيد هذا الإجراء من مخاطر الاصطدام والملاحة غير الآمنة. وللتغلب على ذلك، تقوم القوات الأمريكية باستخدام الرادارات والطائرات المسيّرة لمراقبة حركة الملاحة وتقديم الإرشادات اللازمة للسفن التجارية بشأن توقيت الإبحار الآمن وكيفية التعامل مع أي تهديدات محتملة، بما في ذلك معلومات حول تغيير المسارات أو إيقاف أجهزة الاتصال مؤقتاً.
التداعيات الاقتصادية والأمنية على الساحة الدولية
إن استمرار الملاحة في المضيق، حتى مع هذه الإجراءات المعقدة، يمثل اختباراً مباشراً لنفوذ إيران وقدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية. وقد أكدت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن مستوى التهديد الأمني البحري في مضيق هرمز لا يزال “حرجاً للغاية”. هذه المخاطر تنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، حيث أدت إلى ارتفاع تكاليف التأمين على السفن وأجور الطواقم. ورغم التحسن المحدود في حركة العبور، لا تزال أعداد السفن العابرة أقل بكثير من مستويات ما قبل التوترات، حين كان أكثر من 100 سفينة تعبر يومياً. ويراقب العالم عن كثب هذا المشهد المعقد، حيث يمكن لأي سوء تقدير أن يشعل صراعاً أوسع نطاقاً، ويهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية.


