في خطوة دبلوماسية هامة، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، اليوم الثلاثاء، عن التزام بلاده الراسخ بمواصلة دورها كوسيط نزيه بهدف تخفيف التصعيد بين طهران وواشنطن. وجاء هذا التأكيد خلال استقباله وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني في إسلام آباد، حيث دعا جميع الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنب أي خطوات من شأنها زعزعة استقرار المنطقة، التي تشهد بالفعل توترات متزايدة.
تأتي هذه المساعي الباكستانية في ظل خلفية من التوترات التاريخية المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تعود جذورها إلى عقود مضت. وقد شهدت هذه العلاقة مراحل متقلبة، تفاقمت في السنوات الأخيرة بسبب قضايا شائكة مثل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية الأمريكية، والتنافس على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط. وغالباً ما تجد المنطقة نفسها على حافة مواجهة أوسع، مما يجعل جهود الوساطة أمراً حيوياً للحفاظ على الأمن الإقليمي.
باكستان.. دور محوري في جهود تخفيف التصعيد بين طهران وواشنطن
تحتل باكستان موقعاً استراتيجياً فريداً يؤهلها للعب هذا الدور المحوري. فهي تشترك في حدود طويلة مع إيران، وتحتفظ بعلاقات تاريخية معها، وفي الوقت نفسه، تربطها علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، خاصة في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب. هذا الموقف المتوازن يمنح إسلام آباد مصداقية لدى الطرفين، مما يسمح لها بفتح قنوات حوار قد تكون مغلقة أمام أطراف أخرى. وقد سبق لباكستان أن لعبت أدوار وساطة مماثلة في الماضي، سعياً منها لتجنيب جيرانها والمنطقة بأكملها ويلات الصراع.
إن أهمية هذه الجهود تتجاوز العلاقات الثنائية بين طهران وواشنطن، لتشمل استقرار العالم بأسره. فأي مواجهة عسكرية مباشرة في منطقة الخليج، التي يمر عبرها جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، ستكون لها تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي. كما أن اندلاع صراع واسع النطاق قد يؤدي إلى أزمات إنسانية هائلة وموجات نزوح جديدة، فضلاً عن تقوية شوكة التنظيمات المتطرفة التي تستغل الفوضى لتحقيق أهدافها.
أبعاد الزيارة الإيرانية وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي
وخلال اللقاء الذي حضره مسؤولون باكستانيون رفيعو المستوى، من بينهم وزير الخارجية إسحاق دار ووزير الداخلية محسن رضا نقوي، أعرب شريف عن قلقه العميق إزاء التصعيد الأخير في المنطقة. من جانبه، أوضح الوزير الإيراني أن زيارته تأتي على رأس وفد حكومي رفيع لتعزيز العلاقات الثنائية، مشيداً بجهود القيادة الباكستانية في الوساطة التي أفضت إلى “مذكرة تفاهم إسلام آباد”. وأشارت مصادر إلى أن المباحثات تطرقت إلى تمهيد الطريق لجولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين أمريكا وإيران.
ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي ليؤكد على استمرار قنوات الاتصال عبر وسطاء، وهو ما أشار إليه سابقاً المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، الذي أكد أن الاتصالات مع واشنطن لم تنقطع رغم التوترات الميدانية. وفي هذا السياق، تبرز باكستان كلاعب أساسي يسعى لتحويل لغة التصعيد إلى حوار بناء، مدركة أن استقرارها وازدهارها مرتبطان بشكل وثيق باستقرار محيطها الإقليمي.


