في عالم الجاسوسية المليء بالأسرار، أزاح رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، ديفيد برنيع، الستار جزئيًا عن هوية ومصير أحد أبرز عناصره، عميل الموساد م، الذي لقي حتفه في مهمة خارج البلاد. خلال مراسم تأبين لأعضاء الجهاز، لم يكشف برنيع سوى عن الحرف الأول من اسم العميل، مشيدًا بدوره المحوري في حملة ناجحة ضد إيران، واصفًا عملياته بأنها “جمعت بين الإبداع والدهاء والتكنولوجيا”. هذه الإشارات المقتضبة أعادت إلى الأضواء حادثة غرق قارب غامضة في بحيرة ماجوري الإيطالية في مايو 2023، والتي تبين أنها كانت مسرح النهاية لحياة هذا العميل السري.
يأتي هذا الكشف في سياق “حرب الظل” المستمرة منذ سنوات بين إسرائيل وإيران، وهي مواجهة لا تستخدم فيها الجيوش التقليدية، بل تدور رحاها في الخفاء عبر عمليات استخباراتية معقدة، وهجمات سيبرانية، وتخريب منشآت حساسة. يعمل الموساد، بصفته ذراع إسرائيل الطولى في الخارج، بشكل دؤوب على إحباط البرنامج النووي الإيراني ومنع طهران من ترسيخ نفوذها العسكري في المنطقة. وفي هذا الإطار، تكتسب عمليات مثل “زئير الأسد” التي شارك فيها العميل “م” أهمية استراتيجية قصوى، حيث تهدف إلى جمع معلومات استخباراتية حيوية وتعطيل خطط تعتبرها إسرائيل تهديدًا وجوديًا لها.
تفاصيل حادث بحيرة ماجوري الغامض
في 28 مايو 2023، انقلب قارب سياحي صغير في بحيرة ماجوري، الواقعة شمال ميلانو قرب الحدود السويسرية، بسبب عاصفة مفاجئة وعنيفة. لم تكن هذه مجرد رحلة ترفيهية، فبحسب التقارير الإيطالية، كان على متن القارب 21 شخصًا، بينهم 11 عنصرًا من الموساد و10 من عملاء المخابرات الإيطالية. كان الاجتماع السري على متن القارب جزءًا من عملية مشتركة تهدف إلى التصدي لشبكات يعتقد أنها تسعى لتزويد إيران بتقنيات غربية متطورة. أسفر الحادث عن مقتل أربعة أشخاص، من بينهم عميل الموساد م، وعميلان من المخابرات الإيطالية، وزوجة قبطان القارب. سرعان ما أحيطت الواقعة بستار من السرية، حيث تم إجلاء العملاء الإسرائيليين الناجين على متن طائرة عسكرية خاصة عادت بهم إلى تل أبيب، بينما اختفت سجلات إقامتهم في الفنادق المحلية، مما زاد من غموض المهمة التي كانوا بصددها.
دور العميل “م” وأهميته الاستراتيجية
أعاد تلميح رئيس الموساد ديفيد برنيع إلى عملية “زئير الأسد” تسليط الضوء على الدور الحاسم الذي لعبه العميل الراحل. ورغم أن تفاصيل العملية لا تزال سرية للغاية، إلا أن الإشادة العلنية بدوره تشير إلى أن مساهماته كانت استثنائية وأدت إلى نجاح استراتيجي كبير في الصراع مع إيران. وبينما تلتزم إسرائيل الصمت الرسمي حيال هويته، ذكرت تقارير صحفية إيطالية، أبرزها صحيفة “لا ريبوبليكا”، أن العميل يُدعى إيريز شيموني. إن الكشف عن وجود تعاون استخباراتي بهذا المستوى بين إسرائيل وإيطاليا على الأراضي الأوروبية يحمل دلالات سياسية وأمنية هامة، فهو يؤكد وجود جبهة غربية-إسرائيلية موحدة لمواجهة التهديدات الإيرانية، وهو أمر نادرًا ما يتم الإقرار به علنًا. وهكذا، فإن الغرق المأساوي في بحيرة ماجوري لم ينهِ حياة عميل سري فحسب، بل كشف أيضًا عن فصل من فصول حرب الظل الدائرة في قلب أوروبا.


