في خطوة ميدانية بالغة الأهمية تتزامن مع حراك دبلوماسي رفيع المستوى، بدأ الجيش اللبناني صباح اليوم الثلاثاء أولى عمليات الانتشار في المناطق المسماة “تجريبية” جنوب نهر الليطاني، وذلك بالتزامن مع اللقاء المرتقب في البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره اللبناني جوزيف عون. ويُعد هذا التحرك، الذي انطلق من بلدة زوطر الغربية في قضاء النبطية، أول تطبيق عملي لمفهوم “المناطق التجريبية” الذي تم التوصل إليه ضمن اتفاق إطاري برعاية أمريكية، مما يضع الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان أمام اختبار حقيقي ودقيق.
يأتي هذا التطور في سياق الجهود المستمرة لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي أنهى حرب يوليو 2006 بين إسرائيل وحزب الله. ونص القرار على ضرورة بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ونشر الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية. ورغم مرور سنوات على صدور القرار، ظل تطبيقه الكامل يواجه تحديات عديدة، مما جعل من مبادرة “المناطق التجريبية” حلاً مرحلياً يهدف إلى بناء الثقة وتمهيد الطريق لتطبيق شامل للقرار الأممي.
خطوة نحو بسط سيادة الدولة
بدأت العملية الميدانية فجر اليوم عقب انسحاب الآليات العسكرية الإسرائيلية من البلدة، والتي كانت قد نفذت تفجيرات طالت بنى تحتية ومواقع محددة خلال الليلة الماضية. وفور الانسحاب، باشرت وحدات الهندسة في الجيش اللبناني عمليات مسح واسعة لشوارع وأحياء البلدة لتفكيك أي متفجرات أو مخلفات حربية، وتأمين المنطقة بشكل كامل تمهيداً لتثبيت التموضع العسكري. وقد أصدرت قيادة الجيش توجيهات حازمة للمواطنين بضرورة الالتزام بالتعليمات وعدم التوجه إلى المنطقة حتى استقرار الوضع الأمني بالكامل، مؤكدةً في الوقت ذاته استمرار مهامها في مناطق جنوبية أخرى.
انتشار الجيش اللبناني: اختبار حقيقي للقدرات
تكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية كونها تمثل اختباراً ميدانياً لقدرة الجيش اللبناني على تسلم زمام المبادرة الأمنية ومنع عودة أي مظاهر مسلحة أو بنى تحتية غير شرعية إلى المناطق التي تنسحب منها إسرائيل. وتراقب تل أبيب هذا الانتشار عن كثب، حيث تربط أي خطوات انسحاب لاحقة في بلدات أخرى بنجاح هذا النموذج التجريبي. ويعتمد نجاح المهمة على قدرة الجيش على فرض الأمن والاستقرار، وكسب ثقة السكان المحليين، وتأكيد دوره كقوة شرعية وحيدة مسؤولة عن أمن الحدود.
على الصعيد الدولي، يُنظر إلى نجاح انتشار الجيش اللبناني في زوطر الغربية كشرط أساسي لدفع المفاوضات نحو تهدئة شاملة وتثبيت آليات الانسحاب التدريجي على طول الشريط الحدودي. وتأتي حساسية هذه التطورات من تزامنها الدقيق مع المحادثات السياسية التي تقودها واشنطن، والتي تهدف إلى تعزيز استقرار لبنان ودعم مؤسساته الشرعية، وفي مقدمتها الجيش، كجزء من استراتيجية أوسع لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.


