كشفت مصادر مطلعة عن كواليس الاجتماع الأخير لقادة الإطار التنسيقي في العراق، والذي شهد طرح مبادرة حكومية حاسمة تهدف إلى تنظيم عملية تسليم سلاح الفصائل مقابل دمج عناصرها في المؤسسات الرسمية للدولة. وقدم رئيس اللجنة المشرفة على ملف حل سلاح الفصائل المسلحة، علي فالح الزيدي، عرضاً رسمياً يتضمن تخصيص 35 ألف فرصة عمل في الأجهزة الأمنية والعسكرية وجهاز مكافحة الإرهاب، كخطوة استراتيجية لإنهاء المظاهر المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة العراقية.
تفاصيل مهلة الأشهر الثلاثة لتنفيذ خطة تسليم سلاح الفصائل
أوضحت المصادر أن المقترح الذي طرحه الزيدي على طاولة الإطار التنسيقي يتضمن وضع سقف زمني صارم لا يتجاوز ثلاثة أشهر لحسم مواقف الفصائل المختلفة بشأن نزع سلاحها. وبيّنت التقارير أن عملية التفكيك بدأت بالفعل مع “سرايا السلام” التابعة للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، حيث جرى تفكيك سلاح نحو 15 ألف عنصر منها، مما يترك 20 ألف فرصة عمل شاغرة لاستيعاب بقية الفصائل الراغبة في الانخراط ضمن المنظومة الأمنية الرسمية.
وشددت المبادرة على أن الباب سيغلق تماماً أمام دمج عناصر الفصائل فور اكتمال العدد المحدد بـ 35 ألفاً. كما حذرت الحكومة من أن أي جهة أو فصيل يتخلف عن الالتزام بالمهلة المحددة سيعرض نفسه للملاحقة القانونية والعسكرية المباشرة باعتباره خارجاً عن القانون.
التحديات المالية والحلول الحكومية المقترحة
خلال الاجتماع الذي حضره القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الحكومة العراقية، استعرض الزيدي الوضع المالي المعقد للبلاد. وأشار إلى أن تمويل المخصصات المالية للملتحقين الجدد بالمؤسسات الحكومية سيتطلب وقتاً وجهداً مضاعفين من وزارة المالية والجهات المعنية. ولتجاوز هذه العقبة الاقتصادية، طرحت الحكومة عدة خيارات تمويلية مرنة، من بينها اللجوء إلى الاقتراض الداخلي لضمان انسيابية الرواتب والمستحقات دون التأثير على الموازنة العامة للدولة.
وقد حظيت هذه المقترحات بتأييد واسع من زعامات الإطار التنسيقي، حيث تم الاتفاق على إشراك قيادات رفيعة المستوى من وزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية الساندة للإشراف المباشر على عمليات التفكيك، وتدقيق القيود الجنائية للمتقدمين لضمان سلامة السجل الأمني للمدمجين وتوزيعهم حسب قدراتهم الفنية والميدانية.
السياق التاريخي لملف السلاح المنفلت في العراق
يعود ملف السلاح المنفلت في العراق إلى سنوات طويلة من الصراعات والحروب التي تلت عام 2003، حيث تشكلت العديد من الفصائل المسلحة تحت مسميات مختلفة لمواجهة الاحتلال ثم تنظيم داعش الإرهابي. ورغم صدور قوانين سابقة لتنظيم هيئة الحشد الشعبي، إلا أن بقاء بعض الفصائل خارج الإطار الرسمي ظل يشكل تحدياً كبيراً لسيادة الدولة ومؤسساتها الدستورية. تأتي هذه المبادرة كأحدث محاولة جادة لإنهاء هذه الظاهرة بشكل نهائي والانتقال بالبلاد إلى مرحلة الاستقرار المؤسسي الكامل.
الأبعاد الإقليمية والدولية لإنهاء المظاهر المسلحة
تحمل هذه الخطوة الحكومية أبعاداً استراتيجية هامة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يساهم حصر السلاح بيد الدولة في تعزيز السلم الأهلي وبناء بيئة آمنة جاذبة للاستثمارات الأجنبية وإعادة الإعمار. إقليمياً ودولياً، يبعث العراق برسالة واضحة للمجتمع الدولي تؤكد قدرة الحكومة على ضبط الأمن الداخلي ومنع استخدام أراضيه منطلقاً لأي صراعات إقليمية، مما يعزز مكانة بغداد كلاعب دبلوماسي مستقر وموثوق في المنطقة.


