دخل العراق مرحلة سياسية وأمنية جديدة تهدف إلى إعادة تشكيل ملامح الدولة واستعادة هيبتها، حيث بدأت خطوات فعلية لتطبيق خطة تسليم سلاح الفصائل إلى الأجهزة الأمنية الرسمية. وتأتي هذه الخطوة التاريخية في إطار تفاهمات موسعة بين الحكومة العراقية والقوى السياسية البارزة، بهدف إنهاء المظاهر المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، مما يمهد الطريق لاستقرار داخلي طويل الأمد ينهي عقوداً من الفوضى الأمنية والتداخل بين العمل السياسي والعسكري.
خارطة طريق نزع السلاح ومواقف القوى المسلحة
بدأت هذه العملية النوعية بإعلان «سرايا السلام»، الجناح العسكري للتيار الصدري، المباشرة بتسليم ترسانتها العسكرية إلى الدولة. ووفقاً للمراقب السياسي علي الزيدي، فإن الأيام القادمة ستشهد انضمام خمسة فصائل أخرى إلى هذه المبادرة، وفي مقدمتها «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، تليها «منظمة بدر» بقيادة هادي العامري، بالإضافة إلى «كتائب سيد الشهداء»، وحركة «ثأر الله»، و«كتائب الإمام علي». ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تبرز «كتائب حزب الله» كعقبة رئيسية أمام هذا المشروع الوطني بسبب رفضها القاطع للتخلي عن سلاحها وترسانتها العسكرية.
الأبعاد السياسية لعملية تسليم سلاح الفصائل
تحمل هذه الخطوة أبعاداً سياسية عميقة على الصعيدين المحلي والإقليمي. وفي هذا السياق، أكد رحيم العبودي، عضو تيار الحكمة، أن قوى الإطار التنسيقي باتت تدرك بوضوح أن المعادلة السياسية القادمة في العراق يجب أن تُبنى بعيداً عن النفوذ الإيراني وبعيداً عن سطوة السلاح المنفلت. ويرتبط التفاهم الحالي بشكل وثيق بالاتفاق المبرم بين رئيس الوزراء وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي اشترط لدعمه للحكومة تفكيك الفصائل المسلحة وفتح ملفات الفساد الكبرى، وهو ما دفع الفصائل الخمسة الأخرى للانخراط في هذه التسوية التاريخية.
الحرب على الفساد وتجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة
بالتوازي مع الجهود الأمنية لنزع السلاح، اتخذت الحكومة العراقية خطوات حاسمة لتجفيف منابع التمويل غير المشروع للفصائل. وفي هذا الصدد، تم تشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام. وأسفرت هذه الجهود مؤخراً عن اعتقال وكيل وزارة النفط والمسؤول السابق لمصفاة بيجي، عدنان الجميلي، على خلفية تورطه في إدارة شبكات تهريب النفط لصالح فصائل مسلحة حليفة لطهران. ورغم تقديم الجميلي عرضاً لتسوية مالية ضخمة بلغت 200 مليون دولار مقابل إطلاق سراحه، إلا أن رئيس الوزراء رفض التسوية بشكل قاطع، مؤكداً على المضي قدماً في محاسبة الفاسدين واسترداد أموال الشعب العراقي.
التأثيرات المتوقعة على مستقبل العراق والمنطقة
إن نجاح العراق في حصر السلاح بيد الدولة سيسهم بشكل مباشر في تعزيز السيادة الوطنية وتقوية مؤسسات الدولة الدستورية. محلياً، سيؤدي ذلك إلى توفير بيئة آمنة ومستقرة تجذب الاستثمارات الأجنبية وتدعم جهود الإعمار والتنمية الاقتصادية. إقليمياً ودولياً، سيعزز هذا التحول من مكانة العراق كلاعب مستقل ومتوازن في الشرق الأوسط، بعيداً عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية، مما يقلل من التدخلات الخارجية ويسهم في استقرار المنطقة ككل.


