كشف تقرير حقوقي حديث عن الحجم الكارثي للانتهاكات التي ارتكبتها ميليشيا الحوثي، والتي أدت إلى تدمير المنظومة الصحية في اليمن بشكل ممنهج في مناطق سيطرتها. ويوثق التقرير، الصادر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، أكثر من 6,231 انتهاكاً خلال السنوات الأخيرة، مما يكشف عن سياسة متعمدة لتقويض الخدمات الطبية وحرمان ملايين اليمنيين من حقهم الأساسي في العلاج، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
قبل اندلاع النزاع وسيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في أواخر عام 2014، كان القطاع الصحي في اليمن يعاني بالفعل من تحديات كبيرة، إلا أنه كان يقدم خدماته الأساسية عبر شبكة من المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية والخاصة. لكن الحرب حولت هذا القطاع الحيوي إلى ساحة استهداف مباشر، حيث لم تعد الهجمات على المرافق الطبية مجرد أضرار جانبية، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية عسكرية تهدف إلى إخضاع المجتمع والسيطرة على موارد الدولة، بما فيها المساعدات الطبية الدولية.
منهجية التدمير: استهداف الكوادر والبنية التحتية
يرسم التقرير صورة قاتمة للواقع الذي يعيشه العاملون في القطاع الصحي، حيث وثق مقتل 62 من الكوادر الطبية، وإصابة 87 آخرين بجروح متفاوتة نتيجة القصف المباشر أو الألغام أو الاعتداءات المسلحة. ولم تكتفِ الميليشيا بذلك، بل عمدت إلى ترهيب الكوادر الطبية عبر الاعتقالات التعسفية التي طالت 167 شخصاً، بالإضافة إلى 19 حالة إخفاء قسري لأطباء وممرضين. هذه الممارسات خلقت بيئة عمل خطرة وأدت إلى هجرة جماعية للكفاءات الطبية النادرة، مما فاقم من تدهور الخدمات.
على صعيد البنية التحتية، وثقت الشبكة 1,240 انتهاكاً طال المنشآت الصحية، تنوعت بين اقتحام وإغلاق 732 مستشفى ومركزاً صحياً، وتدمير 229 منشأة بشكل جزئي و36 بشكل كلي. كما تم تحويل 137 مرفقاً طبياً إلى ثكنات عسكرية ومخازن للأسلحة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يمنح هذه الأماكن حماية خاصة. ولم تسلم سيارات الإسعاف من الاستهداف، حيث تم تدمير 29 سيارة بشكل مباشر ونهب 689 أخرى لاستخدامها في نقل المقاتلين والعتاد العسكري.
سلاح المرض: نهب المساعدات وخنق القطاع الصحي
لم يقتصر تدمير المنظومة الصحية في اليمن على الاستهداف المادي، بل امتد ليشمل السيطرة على الموارد. يكشف التقرير عن نهب 18 مخزناً للأدوية وتحويل المساعدات الطبية والإغاثية لدعم ما يسمى بـ “المجهود الحربي” أو بيعها في السوق السوداء، مما حرم المرضى من الأدوية المنقذة للحياة وتسبب في تفاقم الأوبئة مثل الكوليرا. كما تم إغلاق أكثر من 1,107 صيدليات وفرض إتاوات باهظة على نحو 200 شركة أدوية ومستلزمات طبية، مما أدى إلى شلل القطاع الخاص الذي كان يمثل شريان حياة للكثيرين.
إن هذا الانهيار الممنهج للقطاع الصحي له تداعيات مدمرة على المستوى المحلي والإقليمي. فعلى الصعيد المحلي، ارتفعت معدلات الوفيات الناجمة عن أمراض يمكن علاجها، وتدهورت صحة الأمهات والأطفال بشكل مأساوي. أما دولياً، فإن الأزمة الصحية في اليمن تشكل تهديداً للأمن الصحي العالمي مع خطر انتشار الأوبئة عبر الحدود، وتضع عبئاً هائلاً على المنظمات الإنسانية الدولية التي تواجه صعوبات جمة في إيصال المساعدات. وتؤكد هذه الانتهاكات الجسيمة ضرورة تحرك المجتمع الدولي لمحاسبة مرتكبيها ووضع حد لهذه الكارثة الإنسانية.


