في خطوة وصفت بأنها “غير مسبوقة” لتعزيز القدرات الدفاعية للقارة، أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني عن إطلاق تحالف أوروبي مضاد للصواريخ الباليستية جديد. يأتي هذا الإعلان الهام خلال قمة تستضيفها العاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة عدد من الدول الأوروبية، ليشكل نقطة تحول في استراتيجية الأمن الأوروبي المشترك، خاصة في ظل الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا.
في مقابلة مع صحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية، أوضح تاجاني أن القمة ستشهد الإعلان الرسمي عن التحالف، الذي يهدف إلى إقامة تعاون صناعي وتكنولوجي متقدم. سيمكن هذا التعاون من بناء منظومة دفاعية متكاملة قادرة على حماية سماء أوروبا من التهديدات الصاروخية المتزايدة، وهو ما يعكس وعياً متنامياً بضرورة تحقيق استقلالية استراتيجية في المجال الدفاعي.
تحول استراتيجي في العقيدة الدفاعية الأوروبية
لم يأتِ هذا التوجه الأوروبي من فراغ، بل هو نتاج تراكمات وتغيرات جيوسياسية عميقة شهدتها الساحة الدولية على مدى العقود الماضية. فمنذ نهاية الحرب الباردة، اعتمدت أوروبا بشكل كبير على المظلة الأمنية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة. إلا أن الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير 2022، كشفت عن ثغرات واضحة في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي الأوروبية، وأبرزت الأهمية القصوى لامتلاك أنظمة متطورة للتصدي للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والهجمات بعيدة المدى. لقد أظهرت الحرب أن التفوق الجوي والقدرة على حماية البنية التحتية الحيوية والمراكز السكانية لم تعد ترفاً، بل ضرورة ملحة للأمن القومي.
أهداف وتحديات التحالف الأوروبي المضاد للصواريخ الباليستية
يهدف التحالف الجديد إلى تجاوز مجرد شراء أنظمة دفاعية جاهزة، والتركيز بدلاً من ذلك على تطوير وتصنيع قدرات أوروبية مشتركة. هذا من شأنه أن يعزز القاعدة الصناعية الدفاعية في القارة، ويقلل من الاعتماد على الأنظمة المستوردة، ويضمن قابلية التشغيل البيني بين جيوش الدول الأعضاء. وأشار الوزير الإيطالي إلى أن الحرب في أوكرانيا أظهرت وجود تحديات حقيقية، مما يستدعي تعزيز التعاون لتطوير قدرات مشتركة في مجال التصدي للصواريخ الباليستية.
وفي سياق متصل، شدد تاجاني على أهمية استمرار الدعم الأوروبي لأوكرانيا، محذراً من أن أي مواقف غامضة أو مترددة قد تُفسر على أنها انحياز إلى موسكو، مما يضر بمصداقية إيطاليا ومكانتها الدولية. وأكد قائلاً: “لا يمكن لإيطاليا أن يكون لديها حكومة موالية لروسيا، فمصداقيتنا الدولية على المحك”، مشدداً على أن أي موقف غير واضح تجاه الحرب سيضعف مكانة إيطاليا لدى حلفائها وينعكس سلباً على مصالحها السياسية والاقتصادية.
توسيع الاتحاد الأوروبي كضرورة استراتيجية
لم يقتصر حديث تاجاني على الجانب العسكري، بل تطرق أيضاً إلى البعد السياسي، داعياً إلى تسريع انضمام دول غرب البلقان إلى الاتحاد الأوروبي. وحذر من أن أي تأخير في هذه العملية قد يفتح الباب أمام تنامي النفوذ الروسي والصيني في هذه المنطقة الحيوية لأمن أوروبا. وأشار إلى دول مثل ألبانيا وصربيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية وكوسوفو كدول يجب دمجها بسرعة في الفضاء الأوروبي لتجنب خلق فراغ استراتيجي قد تستغله قوى منافسة.


