في إنجاز بيئي وتاريخي غير مسبوق، نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر من الحمار البري الآسيوي على أرض المملكة العربية السعودية بعد غياب طويل تجاوز القرن الكامل. ويمثل هذا الحدث الاستثنائي، الذي شهدته محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، بارقة أمل جديدة لعودة الكائنات الفطرية المهددة بالانقراض إلى موائلها الطبيعية في صحاري الجزيرة العربية، مما يعكس نجاح الاستراتيجيات البيئية الطموحة للمملكة.
رحلة إعادة توطين الحمار البري الآسيوي في المملكة
تأتي هذه الولادة التاريخية لتتوج برنامج إعادة الحياة الفطرية للجزيرة العربية، والذي يهدف إلى إعادة توطين 23 نوعاً فطرياً في بيئاتها الأصلية السابقة. وقد أوضحت إدارة المحمية أن المهر الذكر ولد في يونيو 2025، وتم الكشف عن ولادته رسمياً بعد تجاوزه بنجاح الأشهر الاثني عشر الأولى من عمره، وهي الفترة الأكثر حرجاً في حياة هذا الكائن؛ حيث لا تتجاوز معدلات البقاء للأمهار البرية في عامها الأول نسبة 50%.
وتعود جذور هذا الإنجاز إلى أبريل 2024، عندما انطلقت عملية نقل تاريخية لسبعة من الحمر البرية (خمس إناث وذكرين) من محمية الشومري للأحياء البرية في المملكة الأردنية الهاشمية، لتقطع مسافة 935 كيلومتراً براً وصولاً إلى موطنها الجديد في السعودية، وذلك بموجب شراكة استراتيجية مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة في الأردن. وبعد فترة حمل تمتد إلى 11 شهراً، يتعين على المهر حديث الولادة الوقوف والرضاعة خلال 15 إلى 20 دقيقة للحصول على اللبأ الضروري لبقائه.
الأهمية البيئية والتأثير الإقليمي والدولي للحدث
يحمل هذا الحدث أهمية بالغة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يسهم نجاح تكاثر الحمار البري الآسيوي في استعادة التوازن البيئي المفقود في صحاري المملكة وتنشيط السلسلة الغذائية الطبيعية. أما إقليمياً ودولياً، فإن هذا الإنجاز يمثل خطوة حاسمة في إنقاذ سلالة مهددة بالانقراض بشدة؛ حيث تشير تقديرات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) إلى احتمال انخفاض أعداد هذا الحيوان بنسبة 90% بحلول عام 2050، مع بقاء أقل من 600 رأس فقط منه في البرية حول العالم حالياً.
وتسعى المحمية حالياً إلى تعزيز التنوع الوراثي للقطيع الذي يضم الآن 5 إناث و3 ذكور، من خلال إخضاع أنثى جديدة قادمة من الأردن للحجر الصحي تمهيداً لدمجها، بهدف تأسيس قطيعين منفصلين يضمنان الاستدامة الجينية والقدرة العالية على التكيف ومواجهة التحديات الطبيعية.
رؤية رائدة لحماية الحياة الفطرية في الجزيرة العربية
لا تقتصر جهود محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية على هذا النوع فحسب، بل تمكنت حتى الآن من إعادة توطين 14 نوعاً من أصل 23 نوعاً كانت تعيش تاريخياً في المنطقة، نجحت 6 منها في التكاثر الفعلي وهي: الوعل النوبي، المها العربي، غزال الإدمي، غزال الريم، الأرنب البري العربي، والأسيوط البري.
ويتحقق هذا النجاح بفضل التعاون الوثيق والشراكات المتكاملة مع المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، والمحميات الملكية الأخرى، والمؤسسات الأكاديمية الرائدة مثل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST)، مما يرسخ مكانة المملكة كقائد إقليمي في مجال الحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي تماشياً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء.


