يُمثل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي شخصية محورية في تاريخ اليمن الحديث، حيث ارتبط اسمه بواحدة من أكثر الفترات تعقيداً واضطراباً في تاريخ البلاد. قاد هادي اليمن خلال مرحلة انتقالية شائكة أعقبت ثورة 2011، وانتهت فترة حكمه الفعلية باندلاع حرب أهلية مدمرة حوّلت المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد رأساً على عقب، لتنتهي مسيرته الرئاسية رسمياً بنقل السلطة إلى مجلس قيادة رئاسي في عام 2022.
من النشأة العسكرية إلى دوائر السياسة العليا
وُلد عبد ربه منصور هادي في الأول من سبتمبر عام 1945 بقرية ذكين في محافظة أبين جنوبي اليمن. كانت نشأته وتكوينه الأولي ذا طابع عسكري، حيث التحق بالمؤسسة العسكرية مبكراً وصقل خبراته في عدد من الأكاديميات المرموقة حول العالم. فبعد دراسته الأولية في اليمن، حصل على منحة لدراسة العلوم العسكرية في أكاديمية ساندهيرست الملكية ببريطانيا وتخرج فيها عام 1966. لم تتوقف مسيرته الأكاديمية عند هذا الحد، بل تابع دراساته العليا في مصر، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية ناصر العسكرية بالقاهرة عام 1970، ثم حصل على درجة الماجستير في القيادة العسكرية من أكاديمية فرونزا في الاتحاد السوفيتي السابق، مما منحه خلفية عسكرية متنوعة جمعت بين الفكر العسكري الغربي والشرقي.
صعد هادي في الرتب العسكرية بثبات، وشغل مناصب قيادية مختلفة. كان من أبرز محطاته مشاركته في حرب صيف 1994 إلى جانب قوات الشمال ضد الانفصاليين الجنوبيين، وبعد انتهاء الحرب، عينه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وزيراً للدفاع. وفي 3 أكتوبر 1994، صدر قرار بتعيينه نائباً لرئيس الجمهورية، وهو المنصب الذي ظل يشغله لنحو 18 عاماً، مكتسباً خلالها خبرة سياسية وإدارية واسعة، وإن كان دوره غالباً ما يُوصف بأنه كان ثانوياً في ظل هيمنة صالح على المشهد.
عبد ربه منصور هادي رئيساً: إرث ثقيل وتحديات جسيمة
شكلت أحداث “الربيع العربي” في اليمن عام 2011 نقطة تحول جذرية في مسيرة هادي السياسية. فمع تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد حكم علي عبد الله صالح، برز اسم هادي كشخصية توافقية في إطار “المبادرة الخليجية” التي هدفت إلى تنظيم انتقال سلمي للسلطة. وبموجب هذه المبادرة، أصبح هادي المرشح التوافقي الوحيد في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 21 فبراير 2012، ليتولى رسمياً رئاسة البلاد في 25 فبراير من العام نفسه، مكلفاً بقيادة مرحلة انتقالية لمدة عامين كان يفترض أن تُفضي إلى دستور جديد وانتخابات عامة.
واجه هادي منذ اليوم الأول تحديات هائلة، تمثلت في إعادة هيكلة الجيش والأمن لإنهاء ولاءات قادتهما للرئيس السابق، ومواجهة تنظيم القاعدة الذي استغل الفوضى لتوسيع نفوذه، بالإضافة إلى التعامل مع الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال، والأهم من ذلك، التحدي الذي شكله الحوثيون في الشمال. ورغم نجاحه في إطلاق مؤتمر الحوار الوطني الشامل، إلا أن مخرجاته ظلت حبراً على ورق في ظل استمرار الانقسامات السياسية وتصاعد التوترات الأمنية.
الانقلاب والحرب: الفصل الأكثر دموية
كانت سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014 بمثابة المسمار الأخير في نعش المرحلة الانتقالية. تفاقمت الأزمة سريعاً مع فرض الإقامة الجبرية على الرئيس هادي في منزله بصنعاء، مما دفعه لتقديم استقالته في يناير 2015. لكنه تمكن من الفرار إلى عدن في فبراير 2015، حيث تراجع عن استقالته وأعلن عدن عاصمة مؤقتة للبلاد. ومع زحف الحوثيين جنوباً، وجه هادي نداءً رسمياً للمجتمع الدولي ودول الجوار للتدخل العسكري. وفي 26 مارس 2015، استجاب تحالف عربي بقيادة المملكة العربية السعودية لندائه وأطلق عملية “عاصفة الحزم”، لتدخل اليمن في أتون حرب أهلية وإقليمية لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم. أدار هادي حكومته المعترف بها دولياً من منفاه في الرياض، حتى أعلن في 7 أبريل 2022 نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، مسدلاً الستار على فترة رئاسته التي شهدت أخطر العواصف في تاريخ اليمن المعاصر.


