في تطور ميداني لافت يعكس حجم التصدعات المتزايدة داخل قوات الدعم السريع، أكدت مصادر سودانية وشهود عيان وصول مجموعة عسكرية كبيرة منشقة عن الميليشيا إلى العاصمة الخرطوم، قادمة من إقليم دارفور. وتضم المجموعة، التي وصلت بكامل عتادها العسكري، نحو 280 عنصراً، لتشكل أحدث حلقة في مسلسل انشقاق الدعم السريع الذي بات يمثل تحدياً كبيراً لقيادته. وتأتي هذه الخطوة لتؤكد التقارير المتواترة عن وجود حالة من التململ وفقدان البوصلة داخل صفوف القوات التي تخوض حرباً شرسة ضد الجيش السوداني منذ أبريل 2023.
تصدعات متزايدة وتآكل في بنية القوات
لم تكن هذه الحادثة معزولة، بل جاءت ضمن سياق موجة من الانشقاقات التي ضربت صفوف الدعم السريع خلال الأشهر الأخيرة، وشملت قادة ميدانيين بارزين. ففي الشهر الماضي، أعلن القيادي ضيف الله آدم انشقاقه في محور النيل الأزرق، في خطوة اعتبرت الأولى من نوعها في هذا المحور الاستراتيجي. وسبقه القيادي فارس النور إبراهيم في يونيو، والقيادي بشارة الهويرة في مايو، الذي كان مسؤولاً عن العمليات العسكرية في منطقة بارا بشمال كردفان.
كما شملت قائمة المنشقين البارزين النور آدم، المعروف بـ “النور القبة”، الذي غادر مع قواته مواقعهم في شمال دارفور وانضم للجيش، وأبو عاقلة كيكل، الذي كان من أبرز قادة الدعم السريع في ولاية الجزيرة، وعلي رزق، الملقب بـ “السافنا”. هذه الانشقاقات المتتالية لا تمثل خسارة عددية فحسب، بل تضرب في صميم الروح المعنوية للمقاتلين وتكشف عن عمق الخلافات الداخلية التي قد تكون مرتبطة بمسار الحرب، أو الانتهاكات المرتكبة، أو غياب الرؤية السياسية الواضحة.
جذور الصراع وتأثير انشقاق الدعم السريع
تعود جذور الصراع الحالي إلى تحالف هش جمع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لإسقاط نظام عمر البشير في عام 2019. لكن سرعان ما تحول الحلفاء إلى خصوم بسبب الخلافات العميقة حول عملية دمج الدعم السريع في الجيش، وهو ما كان شرطاً أساسياً للتحول الديمقراطي. انفجر الصراع في 15 أبريل 2023، ليغرق السودان في حرب مدمرة أدت إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.
في هذا السياق، يكتسب كل انشقاق الدعم السريع أهمية استراتيجية. فهو لا يضعف قدرات الميليشيا العسكرية على الأرض فحسب، بل يقوض أيضاً روايتها التي تسعى من خلالها لتقديم نفسها كقوة وطنية تسعى للتغيير. إن اعتذار بعض القادة المنشقين، مثل آدم، للشعب السوداني عن الانتهاكات التي حدثت، يعزز موقف الجيش ويظهر الدعم السريع كقوة منقسمة على نفسها.
تداعيات على موازين القوى والأزمة الإنسانية
من المتوقع أن يكون لهذه الانشقاقات تأثير مباشر على موازين القوى، خاصة في مناطق مثل دارفور وكردفان والخرطوم. فوصول 280 مقاتلاً بعتادهم إلى الخرطوم يعزز من قدرات الجيش في العاصمة التي تشهد أعنف المعارك. كما أن انشقاق قادة من إقليم دارفور، المعقل التاريخي للدعم السريع، يمثل ضربة رمزية ومادية كبيرة.
وقد أسفرت الحرب في السودان عن مقتل عشرات الآلاف، بينهم ما يصل إلى 15 ألف شخص في مدينة الجنينة وحدها، وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجها، وانتشار المجاعة في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان. وبينما تستمر المعارك، تبقى هذه الانشقاقات مؤشراً على أن بنية أحد طرفي الصراع الرئيسيين بدأت تعاني من تآكل داخلي قد يغير من مسار الحرب الطويلة والموجعة.


