لم يمضِ سوى أسابيع قليلة على إبرام اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، حتى بدأت بنوده الغامضة تتحول إلى شرارة تهدد بإشعال مواجهة جديدة. فالغموض الذي يكتنف تفاهمات واشنطن وطهران، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، فتح الباب أمام تفسيرات متناقضة من الطرفين، انعكست سريعاً على الأرض بتصعيد عسكري يضع الهدنة الهشة على المحك.
مضيق هرمز: شريان نفطي على صفيح ساخن
يكتسب مضيق هرمز أهمية استراتيجية عالمية كونه أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يعبر من خلاله ما يقارب خُمس استهلاك النفط العالمي. هذه الأهمية الجغرافية جعلته تاريخياً مسرحاً للتوترات بين إيران والقوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. وشهدت المنطقة عقوداً من الصراع، بدءاً من “حرب الناقلات” في الثمانينيات، وصولاً إلى حوادث احتجاز السفن والتحرشات العسكرية المتكررة في السنوات الأخيرة. وفي هذا السياق، جاءت المحادثات الأخيرة كمحاولة لخفض التصعيد وتجنب مواجهة شاملة قد تعطل إمدادات الطاقة العالمية وتزعزع استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
بنود ضبابية تشعل فتيل الأزمة في تفاهمات واشنطن وطهران
يكمن جوهر الخلاف الحالي في صياغة مرنة لأحد بنود الاتفاق، الذي نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” أنه ينص على أن تتخذ إيران “الترتيبات، مع بذل أقصى الجهود، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية” عبر مضيق هرمز. هذه الصياغة غير المحددة سمحت لكل طرف بتفسيرها بما يخدم مصالحه. فطهران اعتبرت أنها تمنحها حق تنظيم مسارات الملاحة داخل المضيق، وبدأت بالفعل في تحذير السفن من استخدام المسار الجنوبي المحاذي للسواحل العُمانية، والذي تدعمه واشنطن، مطالبة إياها بالعبور عبر المياه الإيرانية. في المقابل، ترفض الولايات المتحدة رفضاً قاطعاً أي سيادة إيرانية على حركة الملاحة، وتعتبر أن المرور يجب أن يبقى حراً دون قيود أو رسوم.
ويرى محللون، مثل نيكول غرايفسكي من جامعة “سيانس بو”، أن هذه المرونة في الصياغة كانت متعمدة لتسهيل التوصل إلى اتفاق، لكنها في الوقت ذاته تحمل بذور فشله. فالغموض يدفع كلا الطرفين إلى اختبار حدود نفوذه وفرض وقائع ميدانية على الأرض قبل التوصل إلى تسوية نهائية، مما يزيد من خطر الحسابات الخاطئة والمواجهة المباشرة.
من دبلوماسية الغرف المغلقة إلى تصعيد ميداني
لم يدم الهدوء طويلاً، حيث تصاعد التوتر بشكل متسارع. وردت الولايات المتحدة على استهداف سفينة شحن بشن ضربات على مواقع إيرانية لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما أعلنت البحرين تعرضها لهجوم بطائرات مسيّرة إيرانية، في تطورات اعتبرتها الصحيفة الأمريكية تهديداً مباشراً للهدنة. وأثار التصعيد جدلاً حول وجود قنوات اتصال عسكرية مباشرة بين البلدين، فبينما أشار نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى وجود قناة اتصال، نفى الحرس الثوري الإيراني ذلك، مما يعكس عمق انعدام الثقة. ويبقى الخلاف حول إدارة مضيق هرمز هو التحدي الأبرز، حيث تصر إيران على حقها في تنظيم الملاحة، بينما ترفض واشنطن أي قيود على حرية العبور، مما يجعل مستقبل هذه التفاهمات محفوفاً بالمخاطر.


