وقعت وزارة الدفاع السعودية عقدًا جديدًا ممتدًا لخمس سنوات مع شركة “نافانتيا” الإسبانية لتقديم خدمات الدعم اللاحق وصيانة السفن الحربية، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تسريع توطين الصناعات العسكرية في السعودية. ويأتي هذا الاتفاق ليمثل توسيعًا شاملًا لخدمات دعم دورة حياة السفن الخمس من طراز “أفانتي 2200” (كورفيت) التي تم تسليمها بالفعل ودخلت الخدمة بنجاح، مما يعزز القدرات الدفاعية والجاهزية القتالية للقوات البحرية الملكية السعودية.
مسيرة الشراكة الدفاعية بين الرياض ومدريد
بدأت ملامح هذه الشراكة الاستراتيجية تتبلور بشكل ملموس في نوفمبر من عام 2018، عندما دخل عقد بناء خمس سفن حربية حيز التنفيذ بين الجانبين. وفي وقت قياسي لم يتجاوز ثلاث سنوات، نجحت شركة “نافانتيا” في إطلاق الوحدات الخمس بمعدل سفينة كل أربعة أشهر تقريبًا منذ إطلاق السفينة الأولى في يوليو 2020. وقد تم تكييف تصميم هذه السفن (AVANTE 2200) خصيصًا ليلائم المتطلبات العملياتية والمناخية الصعبة للمملكة، بما في ذلك القدرة العالية على الإبحار في البحار الهائجة والعمل بكفاءة فائقة في درجات الحرارة المرتفعة التي تميز منطقة الخليج العربي. هذا النجاح الباهر مهد الطريق لتوقيع اتفاقية أخرى في عام 2024 لبناء ثلاث سفن حربية إضافية بقدرات مطورة ومماثلة.
تفاصيل عقد الدعم الفني وتوريد قطع الغيار
يتضمن الاتفاق الجديد، الذي سيتم تنفيذه في قاعدة الملك فيصل البحرية بجدة، زيادة ملموسة في أعداد الفنيين والمهندسين المتخصصين في صيانة ودعم المنصات وأنظمة القتال المتطورة. كما يغطي العقد توريد قطع الغيار اللازمة للفرقاطات الخمس، وتقديم الدعم اللوجستي المتكامل، والتدريب التشغيلي المكثف للطواقم السعودية. ولا يقتصر الأمر على الصيانة التقليدية، بل يشمل توفير مراكز تدريب وتعليم متقدمة لنظام القتال ونظام التحكم في المنصات، مما يضمن استدامة الكفاءة القتالية للبحرية السعودية على المدى الطويل.
أبعاد استراتيجية تدعم توطين الصناعات العسكرية في السعودية
تحمل هذه الاتفاقية أبعادًا استراتيجية هامة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محليًا، تسهم الشراكة في نقل المعرفة وبناء قاعدة صناعية دفاعية مستقلة تماشيًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. وإقليميًا، يعزز هذا التعاون من قدرة القوات البحرية السعودية على حماية الممرات المائية الحيوية وتأمين حركة التجارة العالمية في البحر الأحمر والخليج العربي. أما دوليًا، فإن نجاح هذه الشراكة يرسخ مكانة المملكة كشريك دفاعي موثوق وقادر على استقطاب كبرى الشركات العالمية للاستثمار المباشر ونقل التكنولوجيا المتقدمة.
من الصفر إلى الريادة: بناء السفن الحربية محلياً
بالتوازي مع عقود الصيانة والدعم، تخطو المملكة خطوات متسارعة نحو بناء قدراتها الذاتية في تصنيع السفن الحربية محليًا بالكامل. ويبرز هنا دور شركة “صوفون نافال” الرائدة، التي تأسست لتكون الركيزة الأساسية لصناعة السفن في المملكة. ومن المقرر أن تبدأ الشركة عملياتها التشغيلية قريبًا من حوض بناء السفن الجديد المخطط له في منطقة رأس الخير بالمنطقة الشرقية. ورغم أن المشروع لا يزال في مرحلة التصميم النظري مع بداية عام 2025، إلا أن التطلعات المستقبلية تهدف إلى تمكين هذا الحوض من استيعاب وبناء سفن حربية ضخمة تصل إلى حجم المدمرات، مما يمثل تحولاً جذريًا في مسار الاكتفاء الذاتي العسكري للمملكة.


