سجلت منظمة “نت بلوكس” (NetBlocks) العالمية لمراقبة أمن الشبكات أطول انقطاع الإنترنت في إيران في التاريخ الحديث، حيث استمر هذا الانقطاع غير المسبوق لمدة 88 يوماً متتالياً. وبدأ هذا التعتيم الرقمي الشامل في فبراير 2026 عقب تصاعد التوترات والضربات العسكرية، لينتهي ببدء عملية استعادة جزئية للخدمة في 26 مايو 2026. ورغم عودة بعض الاتصالات، إلا أن القيود الصارمة لا تزال تفرض جداراً رقمياً يعزل ملايين الإيرانيين عن العالم الخارجي ويقيد حريتهم الرقمية بشكل كبير.
الخلفية التاريخية لسياسة انقطاع الإنترنت في إيران
تاريخياً، لم يكن هذا الانقطاع وليد الصدفة، بل يمثل جزءاً من استراتيجية ممنهجة تتبعها السلطات في طهران للسيطرة على تدفق المعلومات. فمنذ الاحتجاجات الشعبية الكبرى في عام 2019، لجأت الحكومة مراراً وتكراراً إلى قطع الشبكة العنكبوتية كأداة أمنية لإخماد التظاهرات ومنع توثيق الانتهاكات. وتعد هذه الحادثة الأخيرة هي الخامسة من نوعها في تاريخ البلاد، لكنها الأشد والأطول على الإطلاق، حيث تزامنت مع ظروف سياسية وعسكرية معقدة شهدتها المنطقة، مما جعل السيطرة على الفضاء الرقمي أولوية قصوى للنظام الحاكم للتحكم في الرواية الرسمية للأحداث.
شلل اقتصادي وخسائر يومية بالملايين
لم تقتصر تداعيات هذا التعتيم الرقمي على الجوانب السياسية والأمنية فحسب، بل امتدت لتضرب مفاصل الاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً بفعل العقوبات الدولية المستمرة. ووفقاً لتقديرات قادة قطاع الأعمال في البلاد، بلغت الخسائر اليومية الناجمة عن غياب الشبكة نحو 80 مليون دولار. وتضررت الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد بشكل كلي على منصات التواصل الاجتماعي مثل “إنستغرام” – المنصة الأكثر شعبية في إيران – لتسويق منتجاتها وإدارة أعمالها اليومية، مما تسبب في ركود تجاري غير مسبوق.
تسريح العمالة وانهيار قطاع التجارة الإلكترونية
أدى هذا الانقطاع الطويل إلى فقدان آلاف الوظائف المرتبطة بالفضاء الرقمي بشكل مباشر وغير مباشر. وتشير التقارير إلى أن نحو 20% من الإيرانيين الذين يعتمدون على الإنترنت في كسب قوتهم اليومي قد فقدوا وظائفهم أو تضررت أعمالهم بشكل جسيم. كما شهدت كبرى شركات التجارة الإلكترونية الإيرانية موجات تسريح واسعة للعمالة، بما في ذلك النسخ المحلية من المنصات العالمية الشهيرة؛ مثل منصة “ديجيكالا” (النسخة الإيرانية من أمازون)، و”سناب فود” (المتخصصة في توصيل الطعام)، بالإضافة إلى منصة “أبارات” البديلة لـ “يوتيوب”، مما يهدد بانهيار هذا القطاع الحيوي بالكامل.
الأبعاد الإقليمية والدولية للعزلة الرقمية
على الصعيد الدولي والإقليمي، يثير هذا الانقطاع القياسي مخاوف واسعة النطاق لدى منظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي بشأن حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات كحق أساسي من حقوق الإنسان. ويرى خبراء الأمن الرقمي أن نجاح طهران في فرض هذا المستوى من الرقابة الرقمية قد يشجع دولاً أخرى ذات أنظمة مشابهة على اتباع ذات النهج لقمع المعارضة وتعتيم الحقائق. ومع استمرار الرقابة المشددة حتى بعد الاستعادة الجزئية للخدمة، يظل الفضاء الرقمي في إيران ساحة صراع مفتوحة بين رغبة المجتمع في الانفتاح ومحاولات النظام لفرض العزلة التامة.


