أثار مقطع فيديو متداول لإمام وخطيب الحرم النبوي الشريف، الشيخ الدكتور صلاح البدير، تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن قطع خطبته يوم الجمعة الماضي ليوجه تنبيهاً شديد اللهجة للمصلين بشأن ظاهرة التصوير في المساجد. وحذر الشيخ البدير من الانشغال بالهواتف المحمولة وتوثيق اللقطات أثناء أداء العبادات، مؤكداً أن هذا السلوك يؤذي المصلين ويذهب بخشوع الصلاة وروحانيتها، بل قد يصل إلى حد إبطال أجر الجمعة لمن انشغل به عن استماع الخطبة.
قدسية الحرمين الشريفين وتطور أدوات التوثيق الرقمي
على مر العقود، حظيت المساجد والمشاعر المقدسة بمكانة عظيمة في قلوب المسلمين، حيث يحرص الملايين على زيارة الحرمين الشريفين لأداء المناسك والصلوات في أجواء تملؤها السكينة والوقار. ومع الطفرة التكنولوجية الهائلة واستخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، ظهرت سلوكيات جديدة لم تكن مألوفة من قبل، حيث بات البعض يحرص على توثيق كل لحظة داخل دور العبادة. هذه الظاهرة، التي يغذيها أحياناً رغبة بعض من يُعرفون بـ “مشاهير الفلس” في كسب المتابعين، تسببت في تحويل العبادات الخالصة إلى مشاهد استعراضية تفقد العبادة جوهرها الروحاني وتؤثر سلباً على طمأنينة المصلين الآخرين الذين يجدون أنفسهم في مرمى الكاميرات دون رغبة منهم.
عقوبة قانونية صارمة لممارسي التصوير في المساجد دون إذن
لم تقتصر ردود الفعل على الجانب الديني والوعظي فحسب، بل امتدت لتشمل الجوانب القانونية والاجتماعية. وفي هذا السياق، أوضح المحامي القانوني سلطان المقاطي أن القيام بعملية التصوير في المساجد أثناء خطبة الجمعة قد يعد مخالفة صريحة لتعليمات وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، خاصة إذا ترتب عليه تشويش على المصلين أو انتهاك لحرمة المسجد، مما قد يعرض الفاعل لعقوبات تعزيرية تقديرية. وأشار المقاطي إلى أن تصوير الأشخاص دون إذنهم ونشر صورهم قد يتحول إلى جريمة معلوماتية مكتملة الأركان وفقاً للمادة الثالثة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية في المملكة العربية السعودية، والتي تنص على عقوبة السجن لمدة تصل إلى سنة وغرامة مالية تصل إلى 500 ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، في حال المساس بالحياة الخاصة أو التشهير بالآخرين عبر وسائل التقنية.
دور المؤسسات الإعلامية والتعليمية في تعزيز الوعي الرقمي
من جانبه، علق الدكتور محسن القرني، رئيس قسم الإعلام وعلوم الاتصال بجامعة الطائف، على هذه الظاهرة مؤكداً أن وسائل الإعلام والمؤسسات التوعوية تتحمل مسؤولية كبرى في نشر ثقافة الاستخدام المسؤول للتقنية. وأشار القرني إلى أن القضية لا تتعلق برفض التكنولوجيا بحد ذاتها، بل بضرورة احترام مقاصد الشريعة الإسلامية التي تؤكد على حضور القلب والخشوع أثناء العبادة، مستشهداً بالحديث النبوي الشريف: “من مسَّ الحصى فقد لغا”، وهو توجيه نبوي واضح بضرورة تجنب كل ما يشغل المسلم عن صلاته. وأضاف أن تصوير الآخرين دون مراعاة لخصوصيتهم يثير أبعاداً أخلاقية واجتماعية تستدعي تضافر الجهود لترسيخ وعي رقمي يحترم قدسية الأماكن الدينية وحقوق الأفراد.
نداء من منبر رسول الله لحماية روحانية العبادة
إن توقف الشيخ صلاح البدير فجأة أثناء الخطبة ليوجه نداءه المباشر: «يا من يصوّر لا تؤذوا الناس بالتصوير، حافظوا على صلاة الجمعة، فمن اشتغل بهذا التصوير تبطل صلاته»، يمثل جرس إنذار يعكس خطورة الموقف وتأثيره محلياً وإقليمياً ودولياً. فالحرم النبوي الشريف يمثل قبلة لقلوب المسلمين من شتى بقاع الأرض، وأي سلوك يصدر فيه ينعكس على الأمة الإسلامية جمعاء. هذا التوجيه الحازم يهدف إلى إعادة الهيبة لبيوت الله، والحد من العشوائية التي تزرع الشحناء والبغضاء بين المصلين نتيجة اقتحام خصوصياتهم، لتبقى المساجد واحات للأمن والسكينة والعبادة الخالصة لله عز وجل.


