تتميز المائدة اليمنية في رمضان بخصوصية فريدة تمزج بين عبق التاريخ وتنوع الجغرافيا، حيث تتحول وجبات الإفطار والسحور إلى طقوس اجتماعية وثقافية تتجاوز مجرد تناول الطعام. فبينما تختلف العادات بين المدينة والأرياف، وتتنوع باختلاف ثقافة القبائل، يظل القاسم المشترك هو تلك الأطباق الشعبية العريقة التي تحرص اليمنيات على إعدادها بحب وإتقان، لتعكس هوية مجتمع عريق يحافظ على موروثه رغم كل المتغيرات.
أصالة الموروث الشعبي وتنوع المذاق
لا يمكن الحديث عن رمضان في اليمن دون التطرق إلى السياق التاريخي لهذا المطبخ الغني. يعتمد المطبخ اليمني تاريخياً على ما تجود به الأرض من حبوب، نظراً للطبيعة الجغرافية والمدرجات الزراعية التي اشتهر بها اليمن منذ القدم. هذا الارتباط بالأرض جعل من الذرة والشعير والبر مكونات أساسية لا تغيب عن الموائد. وتعد هذه الأطباق جزءاً من الهوية الثقافية التي انتقلت عبر الأجيال، حيث لم تنجح الحداثة في إزاحة الأكلات التقليدية كالشفوت والفتة، بل زادتها رسوخاً كرمز للأصالة والانتماء.
المائدة اليمنية في رمضان: رحلة التحضير من الريف إلى المدينة
تبدأ طقوس التحضير للشهر الكريم مبكراً، وغالبيتها يجري الإعداد لها قبل أيام من دخول شهر رمضان. يتم ذلك عبر شراء الحبوب (الذرة الصفراء) وطحنها، وبالغالب في الأرياف تتم هذه العملية عبر "الرحى" الحجرية التقليدية، إضافة إلى طحن الشوربة (حبوب البر)، وشراء التمر، وغيرها من التجهيزات الأساسية.
وفي الريف، تبدأ رحلة اليمنيات في إعداد الطعام لليلة الأولى من رمضان وكل ليلة منذ الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. يذهبن لدق الحبوب يدوياً بالمطحنة المنحوتة من الحجر، ثم يتم بعدها إشعال "الموفى" (التنور التقليدي)، وتجهيز الخبز ليتم إعداد "الفتة". تتكون الفتة من الذرة الصفراء والحليب والسمن، وغالباً يرش عليها العسل لتقدم للسحور. وتضيف بعض القبائل إليها العصيد والهريش، بعكس المدينة التي غالباً ما تكون أكلات السحور فيها عبارة عن وجبات خفيفة كالبيض أو الفاصوليا أو الفول.
إبداع المرأة اليمنية في تنويع الأطباق
منذ الواحدة ظهراً، تبدأ رحلة اليمنيات في التفنن بإعداد الأطباق. تبدأ العملية بإعداد "اللحوح"، وهو خبز يصنع من الذرة الصفراء بشكل رقيق، ثم يتم تقطيعه إلى قطع صغيرة ليصنع منها "الشفوت"، الطبق الأشهر الذي لا يغيب عن أي مائدة. فضلاً عن إعداد "الفحسة" أو "السلتة" في الأواني الحجرية (المقلا)، والخبز الذي يطلق عليه في تعز "الملوح" وفي صنعاء "الملوج". كما تحضر الحلبة والمحلبية والعصيد، وسيدة المائدة "بنت الصحن"، والشوربة بكل أنواعها سواء بالحليب أو بالمرقة وعصير الليمون.
روحانية المجالس الرمضانية: بين "المقصورة" والمدينة
تختلف الطقوس الاجتماعية المرافقة للمائدة بين الريف والمدينة. في الأرياف، يذهب الرجال والأطفال إلى المسجد لأداء صلاة التراويح، ثم يعودون إلى مجلس يطلق عليه "المقصورة". وهي مجالس وقفية تمول من أراضٍ مخصصة لها في القرية، يجتمع فيها الجميع في جلسة (مقيل). تتميز هذه المجالس بالروحانية، وحين يرى المتقدم في الإنشاد دخول الناس في أحاديث دنيوية قد تكسبهم ذنوباً، يبدأ في إطلاق المديح (أناشيد دينية) ليردد بعده الجميع بالتهليل والتكبير، وتنتهي بالاستغفار والدعاء للأموات، وتستمر حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.
أما في المدينة، فالإيقاع مختلف قليلاً، حيث يذهب الجميع للعمل، ومن ليس لديه عمل يسهر في مجالس مقيل تركز غالباً على الأحاديث الاجتماعية ومتابعة المسلسلات والأخبار وما يجري من أحداث، مما يعكس تبايناً في نمط الحياة رغم وحدة المائدة.
الأثر الاجتماعي والثقافي للمطبخ اليمني
تتجاوز أهمية هذه الأطباق البعد المحلي لتشكل سفيراً للثقافة اليمنية إقليمياً ودولياً. فمع هجرة اليمنيين، انتقلت هذه الأطباق إلى دول الجوار والعالم، وأصبحت مطاعم المندي والمأكولات اليمنية علامة فارقة في عواصم عربية وأوروبية. إلا أن نكهة "بنت الصحن" و"الشفوت" المصنوعة في المنازل تظل هي الرابط الأقوى الذي يجمع شتات الأسرة اليمنية، معززة الروابط الاجتماعية ومحافظة على الهوية في وجه التغريب.


