رغم مرور سنوات طويلة على وفاته في الخامس عشر من شهر رمضان عام 1419هـ، إلا أن صوت الشيخ محمد حسين عامر لا يزال ينبض بالحياة في وجدان الشعب اليمني، مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بروحانية الشهر الكريم. ففي العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات والأرياف، يصدح صوته بالقراءات السبع والتواشيح الدينية، معلناً اقتراب موعد الإفطار أو موقظاً للناس وقت السحر، ليصبح بذلك جزءاً لا يتجزأ من الهوية الرمضانية في اليمن.
نشأة في رحاب القرآن وتحدي الإعاقة
ولد الشيخ محمد حسين عامر عام 1938 في قرية الظواهرة بمنطقة حيد السواد، مديرية الحدا التابعة لمحافظة ذمار. شاءت الأقدار أن يفقد بصره في شهره السادس، إلا أن هذه المحنة تحولت إلى منحة ربانية؛ حيث مكث في قريته تسع سنوات حفظ خلالها القرآن الكريم كاملاً على يد والده. وفي عام 1947، انتقل بصحبة أخيه الأكبر أحمد -الذي كان كفيفاً أيضاً- إلى العاصمة صنعاء لاستكمال علوم القرآن، وهناك بزغ نجمه حيث أتم الحفظ والمراجعة في أقل من عام، ثم تبحر في علوم القراءات السبع والمتون العلمية.
الشيخ محمد حسين عامر وتجديد المدرسة اليمنية للتلاوة
لم يكن الشيخ عامر مجرد قارئ عادي، بل كان علامة فارقة في تاريخ التلاوة والإنشاد في اليمن. يُحسب له دوره المحوري في الحفاظ على الطابع اليمني الأصيل في الأداء، أو ما يُعرف بالمدرسة الصنعانية في التلاوة، في وقت بدأت فيه المدارس الخارجية تؤثر على الأداء المحلي. وقد ساهم تأسيسه لمدارس تحفيظ القرآن في مسجد النهرين وإشرافه على حلقات الجامع الكبير بصنعاء في تخريج جيل من الحفاظ الذين حملوا هذا الإرث، مما عزز من مكانة اليمن كمنارة لعلوم القرآن في المنطقة العربية والإسلامية.
حضور استثنائي عبر الأثير وذاكرة الأجيال
مع بداية الستينيات، واكب الشيخ محمد حسين عامر النهضة الإعلامية في اليمن، فكان صوته ركيزة أساسية في إذاعة وتلفزيون صنعاء. وقد ارتبط اسمه بالنقل المباشر للتلاوات والابتهالات قبيل صلاتي المغرب والفجر من الجامع الكبير طوال شهر رمضان، وهي عادة استمرت لعقود حتى باتت طقساً يومياً لا يكتمل صيام اليمنيين بدونه. هذا الحضور الإعلامي القوي جعل صوته مألوفاً في كل بيت، متجاوزاً الحدود الجغرافية ليكون سفيراً للروحانية اليمنية.
إرث ثقافي يتجاوز المناسبات الدينية
إلى جانب كونه من أبرز المقرئين، يُعد عامر من المجددين في فن الإنشاد، وأحد أبرز المؤسسين لجمعية المنشدين اليمنيين. صوته الرخيم والعذب لم يرتبط برمضان فحسب، بل صار رفيقاً للأفراح والأعراس اليمنية من خلال أناشيده الدينية والتذكيرية التي تحمل طابعاً وعظياً وروحانياً فريداً. لقد استطاع الشيخ محمد حسين عامر أن يخلد اسمه في ذاكرة التاريخ، ليس فقط كقارئ، بل كرمز ثقافي واجتماعي يجمع اليمنيين على مائدة القرآن والذكر الحسن.


