تتصاعد حدة التوترات في الضفة الغربية المحتلة بشكل ينذر بالخطر، حيث يحذر مراقبون ومسؤولون أمنيون من انفجار وشيك للأوضاع قد يؤدي إلى اندلاع “انتفاضة ثالثة”. يأتي هذا التصعيد على خلفية ممارسات المستوطنين المتطرفين المدعومة بسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، مما حوّل المنطقة إلى ما وصفه معارضون إسرائيليون بـ”برميل بارود” يهدد الاستقرار الهش في المنطقة بأكملها.
شهدت الأيام الأخيرة سلسلة من الهجمات العنيفة التي شنها مستوطنون إسرائيليون على قرى وبلدات فلسطينية، لا سيما في محيط مدينتي نابلس ورام الله. وتضمنت هذه الهجمات إضرام النار في المنازل والمساجد والمركبات، والاعتداء على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، مما أسفر عن سقوط ضحايا وإصابات. وفي المقابل، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملات اعتقال واسعة طالت عشرات الفلسطينيين في مناطق متفرقة، مما زاد من حالة الاحتقان والغضب في الشارع الفلسطيني.
جذور التوتر: سياق تاريخي متجدد
لم تبدأ الأزمة الحالية من فراغ، بل هي امتداد لصراع طويل ومعقد يعود إلى احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية في حرب عام 1967. ومنذ ذلك الحين، شكل التوسع الاستيطاني المستمر، الذي يعتبره المجتمع الدولي غير شرعي، المصدر الرئيسي للاحتكاك والعنف. وقد شهدت الأراضي الفلسطينية انتفاضتين كبيرتين: الأولى عام 1987 (انتفاضة الحجارة) والثانية عام 2000 (انتفاضة الأقصى)، وكلتاهما اندلعت نتيجة لتراكم مشاعر الإحباط واليأس من الاحتلال وغياب الأفق السياسي. واليوم، يرى الكثيرون أن الظروف الميدانية والسياسية باتت مشابهة إلى حد كبير لتلك التي سبقت الانتفاضتين السابقتين.
انقسامات داخلية وتحذيرات أمنية: هل تفقد إسرائيل السيطرة على الضفة الغربية؟
لا يقتصر القلق على الجانب الفلسطيني، بل يمتد إلى داخل إسرائيل نفسها. فقد نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤولين في المؤسسة الأمنية تحذيراتهم للقيادة السياسية من أن دعم قادة المستوطنين قد يؤدي إلى فقدان السيطرة وانزلاق الأمور نحو الفوضى. ووجهت المعارضة الإسرائيلية اتهامات مباشرة لحكومة نتنياهو، وتحديداً لوزراء اليمين المتطرف مثل بتسلئيل سموتريتش، بتعمد إشعال الموقف في الضفة الغربية لتحقيق مكاسب سياسية. وقال عضو الكنيست جلعاد كريف إن الحكومة “تدفعنا عمداً نحو انتفاضة ثالثة”، وهو اتهام ردده رئيس “حزب الديمقراطيين” يائير غولان، الذي اتهم الحكومة بتحويل المنطقة إلى “برميل بارود” يهدد أمن إسرائيل. من جانبه، وصف مكتب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى هجمات المستوطنين بأنها “إرهاب دولة منظم”، محملاً حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تداعياتها.
إن استمرار هذا التصعيد يحمل في طياته تداعيات خطيرة لا تقتصر على الفلسطينيين والإسرائيليين، بل قد تمتد لزعزعة استقرار المنطقة بأكملها، وتضع ضغوطاً إضافية على العلاقات الإقليمية والدولية في وقت حرج للغاية.


