في غضون أيام قليلة، تحولت العلاقة الهشة بين الولايات المتحدة والعراق من شراكة أمنية متأرجحة إلى مواجهة مفتوحة، لتشتعل أزمة واشنطن وبغداد على وقع ثلاثة ملفات متفجرة دفعت بالتوتر إلى مستويات غير مسبوقة. فبين مكافأة مالية ضخمة لرأس قائد فصيل مسلح، وتجميد لأموال النفط الحيوية، وكمين استهدف دبلوماسيين أمريكيين، تجد بغداد نفسها في قلب عاصفة تهدد بتداعيات خطيرة على سيادتها واقتصادها وأمنها الداخلي.
جذور التوتر: شراكة استراتيجية على المحك
تعود العلاقة المعقدة بين البلدين إلى ما بعد عام 2003، حيث أرست “اتفاقية الإطار الاستراتيجي” أسس تعاون يمتد من الأمن ومكافحة الإرهاب إلى الاقتصاد والثقافة. لكن هذه الشراكة ظلت دائمًا محفوفة بالتحديات، أبرزها النفوذ الإيراني المتزايد في العراق وصعود الفصائل المسلحة الموالية لطهران، والتي أصبحت جزءًا من المؤسسة الأمنية والسياسية العراقية تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي. ورغم الدور الذي لعبته هذه الفصائل في الحرب ضد تنظيم “داعش”، إلا أن واشنطن تنظر إليها باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمصالحها وقواتها في المنطقة، ووكيلًا لتنفيذ أجندة طهران التوسعية.
تصعيد أمريكي متعدد الجبهات في قلب أزمة واشنطن وبغداد
قررت إدارة الرئيس الأمريكي رفع سقف المواجهة عبر سلسلة من الإجراءات التي استهدفت الضغط على الحكومة العراقية وحلفاء إيران في آن واحد. وتكشف هذه الخطوات عن استراتيجية أمريكية جديدة لم تعد تكتفي بالردود العسكرية المحدودة، بل انتقلت إلى استخدام أدوات الضغط المالي والسياسي بشكل أكثر صرامة.
مكافأة الملايين: من الميدان إلى السياسة
كان الإعلان الأبرز هو رصد وزارة الخارجية الأمريكية عبر برنامج “مكافآت من أجل العدالة” مبلغ 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى هاشم فنيان رحيمي السراجي، المعروف بـ “أبو آلاء الولائي”، قائد “كتائب سيد الشهداء”. لم تكتفِ واشنطن بتصنيف الكتائب كمنظمة إرهابية متورطة في استهداف القوات الأمريكية والبعثات الدبلوماسية، بل سلطت الضوء على التداخل الخطير بين العمل المسلح والسياسة في العراق. فالولائي ليس مجرد قائد ميليشيا، بل شخصية ذات ثقل سياسي ضمن “الإطار التنسيقي”، الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان، مما يجعل الملاحقة الأمريكية له تطال شريكًا في العملية السياسية، وتثير أسئلة جوهرية حول حدود السيادة العراقية وقدرة الدولة على احتكار السلاح.
ورقة الضغط الاقتصادي: تجميد أموال النفط
على الجبهة الاقتصادية، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن قيام وزارة الخزانة الأمريكية بتجميد نحو 500 مليون دولار من عائدات النفط العراقي المودعة في بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك. هذه الخطوة المؤلمة للاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل شبه كلي على النفط، جاءت كرسالة واضحة بأن واشنطن لن تتهاون مع استمرار الهجمات. وربطت الإدارة الأمريكية استئناف الدعم المالي والعسكري لبغداد بشرطين أساسيين: وقف هجمات الفصائل، والبدء الفعلي في تفكيك هذه الجماعات المسلحة. يضع هذا الشرط الحكومة العراقية في مأزق وجودي، فهي لا تملك القدرة على مواجهة فصائل تشاركها في السلطة، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تحمل كلفة العقوبات الأمريكية المتراكمة.
دبلوماسيون في خطر: تجاوز الخطوط الحمراء
أما الملف الأكثر إشعالًا للأزمة فكان الكمين الذي استهدف دبلوماسيين أمريكيين في قلب العاصمة بغداد. هذا الاعتداء يتجاوز حدود الاستفزاز المعتاد ليطعن في صميم قواعد العلاقات الدولية والأعراف الدبلوماسية، ويسقط آخر الحجج القائلة بأن الفصائل تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية. وقد دفع الحادث وزارة الخارجية الأمريكية إلى استدعاء السفير العراقي وإبلاغه إدانة شديدة اللهجة، مؤكدًا أن صبر واشنطن قد بدأ ينفد، وأن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة لحماية مواطنيها ومصالحها، مما ينذر بأن المواجهة قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة.


