تتبع مسار العقوبات الأمريكية على إيران منذ عام 1979 تطوراً مستمراً من تجميد الأصول إلى العزل المالي الكامل واستهداف قطاع الطاقة، وصولاً إلى فرض عقوبات ثانوية وملاحقة شبكات الالتفاف عليها.
تاريخ العقوبات ومحطاتها الرئيسية
بدأت العقوبات الأمريكية على إيران عقب أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران عام 1979، حيث جُمدت أصول الحكومة الإيرانية داخل الولايات المتحدة، قبل أن تُرفع القيود المرتبطة بالأزمة بعد الإفراج عن الرهائن.
وفي العقود التالية، وسعت واشنطن عقوباتها بربطها بملفات متعددة؛ شملت اتهام إيران بدعم جماعات تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، وبرنامجها الصاروخي، ثم برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. وفي منتصف التسعينيات، انتقل الاستهداف بوضوح إلى قطاع الطاقة، حيث فُرض حظر أمريكي أوسع على التجارة والاستثمار، ثم صدر قانون العقوبات على إيران وليبيا المعروف باسم “قانون داماتو” عام 1996، مستهدفاً الاستثمارات الأجنبية في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين.
البرنامج النووي والعزل المالي
مع تصاعد الخلافات حول برنامج إيران النووي، دخلت الأمم المتحدة على خط العقوبات بدءاً من عام 2006 عبر قرارات لمجلس الأمن، قبل أن تتوسع الإجراءات الأمريكية والأوروبية لتشمل شركات وقطاعات مالية وصناعية ونفطية.
وكان القطاع المصرفي في صميم هذه المرحلة، إذ استهدفت العقوبات بنوكاً إيرانية والبنك المركزي، مما أضعف قدرة طهران على إجراء التحويلات والتعاملات عبر الحدود. وبرزت هنا شبكة “سويفت” (نظام المراسلات المصرفية لتبادل أوامر الدفع) كمسألة حيوية للتجارة والتمويل وليست مجرد إجراء تقني.
وفي عام 2015، وقعت إيران والقوى الكبرى الاتفاق النووي الذي ربط تخفيف العقوبات بقيود ورقابة على البرنامج النووي. وبدأ رفع العقوبات عملياً في “يوم التنفيذ” بتاريخ 16 يناير 2016، بعد تحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خطوات إيرانية محددة.
الانسحاب الأمريكي والعقوبات الثانوية
في مايو 2018، انسحبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق من جانب واحد، وأعادت فرض عقوبات واسعة لتتدخل إيران مجدداً مرحلة ضغط مالي ونفطي أكثر حدة. وجاء هذا التحرك بعد انهيار مذكرة التفاهم وتزايد الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز، حيث رأى ترامب أنه حان الوقت لتوجيه ضربة لاقتصاد إيران عبر تقويض قدرتها على تصدير النفط والوصول للنظام المالي العالمي.
ولم تقتصر الاستراتيجية الأمريكية على التعاملات المباشرة، بل اعتمدت على “العقوبات الثانوية” التي تقوم على تهديد شركات ومصارف وأطراف من دول أخرى بعقوبات أو بمنعها من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي إذا تعاملت مع جهات إيرانية خاضعة للعقوبات. وامتد هذا الأثر إلى شركات الشحن، والوساطة، والتأمين، والتجارة، ومكاتب الواجهة، والتحويلات المالية.
شبكات الالتفاف و”أسطول الظل”
مع استهداف صادرات النفط، برزت شبكات معقدة للالتفاف على القيود، تشمل تغيير ملكية السفن أو أسمائها وأعلامها، وإيقاف أو التلاعب بإشارات التتبع، ونقل الشحنات بين السفن في البحر، إلى جانب استخدام شركات وسيطة ووثائق تجارية مضللة. ويُطلق على جزء من هذه الشبكات تسمية “أسطول الظل” أو “الناقلات الشبحية”.
وتظهر مسيرة القيود أن فاعليتها باتت تتوقف على قدرة الإنفاذ وملاحقة مسارات الالتفاف، لا على حجم القرارات الصادرة فقط. وقد تركت هذه العقوبات آثاراً تجاوزت القطاع النفطي لتطال الأسعار، والعملة، والتضخم، وتكاليف المعيشة داخل إيران، وفيما تراهن واشنطن على تقييد خيارات طهران المالية، تسعى إيران إلى توسيع منافذ بديلة.


