في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في العلاقات عبر الأطلسي، أثار إعلان واشنطن عن الانسحاب العسكري الأمريكي الجزئي من ألمانيا ردود فعل واسعة النطاق. ورداً على قرار سحب 5,000 جندي أمريكي، دعا وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الدول الأوروبية إلى تحمل مسؤولية أكبر في حماية أمنها القومي. يأتي هذا التطور في ظل تصاعد التوترات بين الرئيس دونالد ترمب وحلفاء منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسط تهديدات متكررة من واشنطن بإمكانية الانسحاب الكامل من الحلف، مما يضع الهيكل الأمني الأوروبي أمام تحديات غير مسبوقة.
السياق التاريخي والتحولات التي سبقت الانسحاب العسكري الأمريكي
يعود التواجد العسكري للولايات المتحدة في أوروبا، وتحديداً في ألمانيا، إلى حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبدايات الحرب الباردة. لطالما اعتبرت القواعد الأمريكية في ألمانيا، مثل القيادة العليا للقوات الأمريكية في أوروبا وأفريقيا، حجر الزاوية في استراتيجية الردع الغربية ضد التهديدات الشرقية. وتستضيف ألمانيا العشرات من المنشآت العسكرية الحيوية التي تضم أصولاً استراتيجية، بما في ذلك أسلحة نووية تكتيكية من طراز B-61. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة مطالبات أمريكية متزايدة بضرورة زيادة الدول الأوروبية لإنفاقها الدفاعي، وهو ما شكل أرضية خصبة للخلافات الحالية التي مهدت لقرار خفض القوات.
ألمانيا تسير نحو الاستقلال الأمني وتعزيز “البوندسفير”
في مواجهة هذه المتغيرات، أكد وزير الدفاع الألماني أن بلاده تسير على الطريق الصحيح نحو تقليل الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية. وأشار إلى خطط طموحة لتوسيع قدرات القوات المسلحة الألمانية (بوندسفير)، وتسريع عمليات شراء المعدات العسكرية المتطورة، فضلاً عن تحديث البنية التحتية العسكرية. وقدر بيستوريوس عدد القوات الأمريكية المتمركزة حالياً في ألمانيا بنحو 40 ألف جندي (في حين تشير إحصاءات البنتاغون إلى حوالي 35 ألف جندي في الخدمة الفعلية، وهو العدد الأكبر في أوروبا). واعتبر الوزير أن التواجد الأمريكي يخدم مصالح واشنطن بقدر ما يخدم أوروبا، إلا أن تقليص هذا التواجد كان أمراً متوقعاً ويجب الاستعداد له وطنياً وأوروبياً.
التأثيرات الاستراتيجية لقرار خفض القوات على الساحة الدولية
يحمل هذا التخفيض في أعداد القوات دلالات استراتيجية عميقة؛ إذ أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن سحب الـ 5,000 عسكري سيكتمل خلال فترة تتراوح بين 6 إلى 12 شهراً. هذا الإجراء سيعيد حجم التواجد العسكري في أوروبا إلى مستويات ما قبل عام 2022، أي قبل التعزيزات التي أمر بها الرئيس السابق جو بايدن استجابة للغزو الروسي لأوكرانيا. إقليمياً ودولياً، يُنظر إلى هذا القرار على أنه رسالة ضغط قوية على حلفاء الناتو لزيادة ميزانياتهم الدفاعية، وقد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الأمنية في القارة العجوز، مما يدفع الاتحاد الأوروبي لتسريع خطواته نحو تشكيل قوة دفاعية أوروبية موحدة ومستقلة.
توسع دائرة الخلافات لتشمل إسبانيا وإيطاليا
لم تقتصر التوترات على برلين فحسب، بل امتدت لتشمل حلفاء أوروبيين آخرين. فقد وصف مسؤول كبير في البنتاغون التصريحات الألمانية الأخيرة بأنها “غير مناسبة وغير مفيدة”، مؤكداً أن الإدارة الأمريكية ترد بشكل صحيح على ما اعتبرته مواقف غير بناءة. وفي سياق متصل، لوّح ترمب بإمكانية سحب قوات أمريكية من إيطاليا وإسبانيا. جاء ذلك إثر خلافات حادة حول استراتيجية التعامل مع إيران، حيث هدد بفرض حظر تجاري كامل على إسبانيا بعد رفضها استخدام قواعدها الاستراتيجية (مثل قاعدة “روتا” البحرية وقاعدة “مورون” الجوية) أو مجالها الجوي في أي هجوم محتمل ضد طهران. كما برزت تباينات واضحة مع رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، التي وُصفت سابقاً بأنها من أقرب الحلفاء، حيث اتهمتها واشنطن بالافتقار إلى الشجاعة وخذلان التحالف، مما يؤكد أن الخلافات الحالية تتجاوز الجانب العسكري لتشمل تبايناً عميقاً في الرؤى السياسية بين ضفتي الأطلسي.


