تصعيد مستمر وتحولات سياسية في طهران
تدخل المواجهات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يومها العاشر، في ظل غياب أي بوادر تلوح في الأفق للتهدئة أو التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وتتزامن هذه التطورات الميدانية المتسارعة مع تحولات سياسية داخلية كبرى في طهران، أبرزها الإعلان عن اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً للبلاد، مما يضيف طبقة جديدة من التعقيد على المشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط.
تأمين مخزون اليورانيوم: خطط التدخل البري
في هذا السياق المتوتر، كشف موقع «أكسيوس» الأمريكي نقلاً عن أربعة مصادر مطلعة، أن واشنطن وتل أبيب تدرسان بجدية خيار إرسال قوات عمليات خاصة إلى الداخل الإيراني. الهدف الاستراتيجي من هذه الخطوة هو تأمين مخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب في مرحلة لاحقة من الصراع. ويعد منع إيران من امتلاك سلاح نووي أحد أبرز الأهداف المعلنة لهذه الحرب، حيث يمثل مخزون النظام الإيراني البالغ نحو 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% عقبة رئيسية، نظراً لإمكانية تحويله إلى مستوى التخصيب العسكري (90%) في غضون أسابيع قليلة.
السياق التاريخي للبرنامج النووي الإيراني
لفهم أبعاد هذا التطور، يجب النظر إلى التاريخ المعقد للبرنامج النووي الإيراني. منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018 خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترمب، وتطبيق سياسة «الضغوط القصوى»، تخلت طهران تدريجياً عن التزاماتها النووية. وقد أدى ذلك إلى تسريع وتيرة التخصيب وبناء منشآت تحت الأرض محصنة ضد الغارات الجوية التقليدية. هذه التراكمات جعلت الخيار العسكري الجوي وحده غير كافٍ لتحييد التهديد النووي بالكامل، مما يفسر التوجه نحو التفكير في تدخل بري محدود.
التحديات العسكرية وخيارات الإدارة الأمريكية
يعتقد المراقبون العسكريون أن أي عملية لمصادرة المواد النووية تقتضي بالضرورة وجود قوات أمريكية أو إسرائيلية على الأراضي الإيرانية، واختراق منشآت محصنة بعمق تحت الأرض في خضم الحرب. ويؤكد الخبراء أن هذه المهمة المعقدة لن تتم إلا بعد التأكد من تدمير القدرات الدفاعية للجيش الإيراني لضمان عدم تشكيله تهديداً خطيراً للقوات المهاجمة. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه المهمة ستكون أمريكية خالصة، أم إسرائيلية، أم مشتركة.
من جانبه، شدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في إحاطة للكونغرس، على ضرورة التحرك لاستعادة المواد النووية دون تحديد الجهة المنفذة. وتدرس إدارة ترمب خيارين رئيسيين: إما إخراج المواد النووية من إيران بالكامل، أو إرسال خبراء نوويين، ربما بمشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لتخفيف نسبة التخصيب في الموقع ذاته وجعلها غير صالحة للاستخدام العسكري.
وكان الرئيس ترمب قد صرح للصحفيين على متن طائرة «إير فورس وان» بأن إرسال قوات برية أمريكية أمر محتمل ولكن «لسبب وجيه للغاية»، مؤكداً أن ذلك لن يحدث إلا بعد «إنهاك» القوات الإيرانية لدرجة تمنعهم من القتال على الأرض. وأضاف حول تأمين المواد النووية: «ربما نفعل ذلك في مرحلة ما.. لم نقم بملاحقتها بعد، ولن نفعل ذلك الآن، ربما لاحقاً».
وضع المنشآت النووية والتأثير الإقليمي والدولي
تبدو المهمة معقدة للغاية على الأرض؛ فقد أفاد مسؤولون بأن معظم المخزون النووي بات مدفوناً تحت الأنقاض في منشأة أصفهان نتيجة ضربات عسكرية سابقة، بينما يتوزع الباقي بين منشأتي فوردو ونطنز المحصنتين. وكانت الضربات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو الماضي قد دمرت معظم أجهزة الطرد المركزي، ولم يظهر حتى الآن أي دليل على استئناف عمليات التخصيب.
على الصعيد الاقتصادي والدولي، لا تقتصر النقاشات على البعد النووي فحسب، بل تمتد لتشمل السيطرة على أهداف اقتصادية حيوية مثل جزيرة خارق. تعتبر هذه الجزيرة المحطة الاستراتيجية الأهم لإيران، حيث تدير نحو 90% من صادرات البلاد من النفط الخام. إن أي سيطرة أو تعطيل لهذه المنشأة سيكون له تأثير مباشر على أسواق الطاقة العالمية، مما قد يؤدي إلى تقلبات في أسعار النفط وتأثيرات على الاقتصاد الدولي وحركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويرى المسؤولون أن «الوجود البري» بمفهوم الإدارة الأمريكية الحالية لا يعني غزواً شاملاً لتغيير النظام كما حدث في العراق، بل يقتصر على غارات تكتيكية محدودة تنفذها وحدات العمليات الخاصة لتحقيق أهداف استراتيجية دقيقة، تتمثل في تحييد التهديد النووي وشل القدرات الاقتصادية للنظام.


