إقرار التمديد: ضرورة أمنية أم تدوير للسلطة؟
أقرت الهيئة العامة لمجلس النواب اللبناني، في جلستها المنعقدة يوم الإثنين، قراراً حاسماً يقضي بتمديد ولاية المجلس الحالي لمدة سنتين إضافيتين. وقد حظي القرار بتأييد أغلبية 76 صوتاً، في حين عارضه 41 نائباً، وسجل امتناع 4 نواب عن التصويت. واستند المشرعون في هذا التمديد إلى ما وصفوه بـ “الظروف القاهرة” المتمثلة في استمرار الحرب الإسرائيلية وتصاعد وتيرتها، مما يحول دون إمكانية إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري المقرر سلفاً في مايو 2026. وتأتي هذه الخطوة لتثير نقاشاً واسعاً حول مستقبل الديمقراطية في لبنان في ظل الأزمات المتلاحقة.
السياق التاريخي لتمديد المجالس النيابية في لبنان
لم تكن خطوة التمديد للبرلمان سابقة فريدة في التاريخ السياسي اللبناني الحديث؛ بل هي تكرار لسيناريوهات فرضتها الأزمات الأمنية والسياسية. فقد شهد لبنان تمديداً لولاية البرلمان في محطات مفصلية، أبرزها خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) حيث تعذر إجراء أي استحقاق انتخابي. كما تكرر المشهد بين عامي 2013 و2017، حين تم التمديد للمجلس النيابي ثلاث مرات متتالية بسبب الانقسامات السياسية الحادة والظروف الأمنية المرتبطة بتداعيات الصراع في سوريا. هذا التاريخ يعكس أزمة بنيوية في النظام السياسي اللبناني الذي يجد نفسه مضطراً للجوء إلى “تدوير السلطة” كخيار لتجنب الفراغ المؤسساتي، خاصة في ظل الشغور الرئاسي الحالي الذي يعاني منه لبنان منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق.
موقف المؤسسة العسكرية والالتزام بالقرارات الدولية
في موازاة التطورات السياسية، يبرز دور المؤسسة العسكرية كركيزة أساسية للحفاظ على ما تبقى من استقرار. فقد واصل قائد الجيش اللبناني، العماد جوزاف عون، سلسلة لقاءاته المكثفة مع رؤساء البعثات الدبلوماسية لشرح الموقف اللبناني الرسمي من التطورات الراهنة. وأكد عون أن موقف لبنان واضح وثابت، وهو ما تجلى في قرار مجلس الوزراء الأخير الذي يشدد على التزام لبنان الكامل والنهائي بمندرجات إعلان وقف الأعمال العدائية المتفق عليه في تشرين الثاني 2024. وشدد قائد الجيش على أن هذا الالتزام اللبناني يجب أن يقابله التزام إسرائيلي بوقف الاعتداءات على كامل الأراضي اللبنانية. كما أبلغ الدول الكبرى والأمم المتحدة باستعداد لبنان لاستئناف المفاوضات لمعالجة النقاط الأمنية الضرورية لوقف التصعيد. وفيما يخص حصر السلاح بيد الدولة، أكد عون أن هذا القرار سيُنفذ وفق خطة قيادة الجيش فور سماح الظروف الأمنية بذلك.
التداعيات الإقليمية والدولية واستمرار التصعيد الميداني
على الصعيد الميداني والإقليمي، لا تبدو المؤشرات تتجه نحو التهدئة الشاملة في المدى المنظور. فقد كشفت تقارير استراتيجية غربية، نقلاً عن مصادر مطلعة على الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، أن تل أبيب لن تتسامح مع أي تهديد يطال سكان شمال إسرائيل. ورجحت هذه التقارير استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية على لبنان حتى لو توقفت المواجهات المباشرة مع إيران. وتعتبر القيادة الإسرائيلية أن الجبهة اللبنانية باتت غير مرتبطة بالضرورة بالجبهة الإيرانية، مما يرجح استمرار القصف الإسرائيلي على أهداف تابعة لـ “حزب الله” حتى بعد انتهاء العمليات الجوية الإقليمية الأوسع. هذا الفصل بين الجبهات يضع لبنان أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة، ويزيد من تعقيد المشهد الداخلي الذي يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي وشلل سياسي، مما يجعل من التمديد للبرلمان مجرد مسكن مؤقت لأزمة وطنية عميقة تتطلب حلولاً جذرية وتدخلاً دولياً فاعلاً لتطبيق القرارات الأممية، وعلى رأسها القرار 1701.


