تتسارع وتيرة التحركات السياسية والأمنية على وقع تصاعد التوتر بين أمريكا وإيران، حيث دخلت الأزمة منعطفاً جديداً مع استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعقد اجتماع حاسم في «غرفة العمليات» لبحث الخيارات المتاحة، بالتزامن مع وصول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى روسيا للقاء الرئيس فلاديمير بوتين. هذا المشهد المعقد، الذي تتقاطع فيه الحسابات النووية مع ملفات الملاحة والطاقة، يعكس حالة من الشد والجذب قد تحدد مسار الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
جذور الأزمة: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغط الأقصى
تعود جذور التوتر الحالي إلى قرار إدارة الرئيس ترامب في عام 2018 بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة إعلامياً بالاتفاق النووي الإيراني، والتي تم توقيعها في عام 2015 بين إيران ومجموعة (5+1). كان الاتفاق يهدف إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. لكن واشنطن اعتبرت الاتفاق غير كافٍ لكبح طموحات طهران، لتقوم بإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية ضمن استراتيجية أطلقت عليها اسم “الضغط الأقصى”، بهدف إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد أكثر شمولاً يعالج أيضاً برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية.
خيارات واشنطن الصعبة في ظل التوتر بين أمريكا وإيران
في مؤشر على خطورة الموقف، كشف مسؤول أمريكي لموقع «أكسيوس» أن الرئيس ترامب سيجتمع مع فريقه للأمن القومي داخل «غرفة العمليات» بالبيت الأبيض، وهو المكان المخصص لإدارة الأزمات الكبرى. يضع هذا الاجتماع كافة الخيارات على الطاولة، والتي تتراوح بين تشديد الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، وصولاً إلى احتمالات أخرى لم يتم الإفصاح عنها. وقد شدد البيت الأبيض على موقفه الصارم، مؤكداً أنه لن يبرم أي صفقة مع إيران لا تتضمن منعها بشكل قاطع من امتلاك سلاح نووي، وهو ما يمثل خطاً أحمر يرفع سقف التفاوض ويجعل التوصل إلى حل سريع أمراً صعب المنال.
تحركات طهران الدبلوماسية: مناورات على جبهات متعددة
في المقابل، لا تقف طهران مكتوفة الأيدي. فزيارة وزير الخارجية عباس عراقجي إلى سان بطرسبرغ للقاء الرئيس بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، تأتي في إطار حشد الدعم من حلفائها الدوليين الرئيسيين. وتعتبر روسيا، العضو الدائم في مجلس الأمن، شريكاً استراتيجياً لإيران، وتأتي هذه المشاورات لتوحيد الرؤى حول القضايا الإقليمية والدولية. وفي مسار موازٍ، كشفت مصادر عن وجود انقسام داخل القيادة الإيرانية حول كيفية التعامل مع المطالب الأمريكية، وهو ما أكده عراقجي ضمنياً بالإشارة إلى عدم وجود توافق داخلي حول تقديم تنازلات في الملف النووي. وفي محاولة لكسر الجمود، طرحت طهران عبر وسطاء، من بينهم باكستان، مقترحات تقوم على فصل الملفات، حيث تقترح معالجة أزمة مضيق هرمز أولاً وتمديد وقف إطلاق النار، مقابل تأجيل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة لتخفيف الضغط الاقتصادي.
تداعيات إقليمية ودولية
إن استمرار هذا التصعيد يحمل في طياته تداعيات خطيرة تتجاوز حدود البلدين. فمنطقة الخليج، التي يمر عبرها جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، أصبحت بؤرة توتر عسكري. أي مواجهة محتملة لن تؤثر فقط على أسعار النفط العالمية، بل ستهدد استقرار دول المنطقة بأسرها. كما أن الأزمة تختبر متانة التحالفات الدولية، حيث تجد الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي نفسها في موقف حرج بين حليفها الأمريكي والتزاماتها بموجب الاتفاق، بينما تسعى قوى مثل روسيا والصين لتعزيز نفوذها في مواجهة السياسات الأمريكية.


