وسط ترقب دولي حذر، انطلقت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد الجولة الثالثة من مفاوضات أمريكا وإيران، وذلك بوساطة باكستانية تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين. وتأتي هذه المباحثات في ظل أنباء متواترة عن وجود خلافات عميقة حول إدارة مضيق هرمز الاستراتيجي والملف النووي الإيراني. وقد كشفت وسائل إعلام إيرانية أن هذه الجولة تعقد بحضور شخصيات بارزة؛ حيث يمثل الجانب الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وعباس عراقجي، وعلي باقري، بينما يضم الوفد الأمريكي نائب الرئيس جي دي فانس، والمبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
جذور الخلاف: السياق التاريخي في مفاوضات أمريكا وإيران
لفهم التعقيدات الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي يحيط بمسار مفاوضات أمريكا وإيران. تعود جذور الأزمة الحديثة إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران، مما دفع الأخيرة لتقليص التزاماتها النووية تدريجياً. وإلى جانب الملف النووي، يبرز مضيق هرمز كأحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. لطالما استخدمت طهران التهديد بإغلاق المضيق أو تقييد الملاحة فيه كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة العقوبات والضغوط العسكرية، مما يجعل أي تسوية سياسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بضمان حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي.
تفاصيل الجولة الثالثة والجمود حول مضيق هرمز
رغم تأكيدات البيت الأبيض على استمرار المباحثات المباشرة، وتوقعات شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية بامتداد المحادثات، نقل التلفزيون الإيراني عن مصدر مطلع تحذيره من أن هذه الجولة قد تكون “الأخيرة التي يمنحها الوفد الإيراني لواشنطن”. ويسعى الإيرانيون للتوصل إلى إطار عمل مشترك، في حين تستمر الرسائل المتبادلة عبر الوسيط الباكستاني. من جهة أخرى، نقلت شبكة “سي إن إن” عن مصادر مطلعة أن واشنطن قدمت مطالب وُصفت بـ”غير المقبولة” بشأن مضيق هرمز. وأكد مسؤولون إيرانيون لصحيفة “نيويورك تايمز” أن طهران متمسكة بموقفها الرافض لفتح المضيق بالكامل إلا بعد التوصل إلى اتفاق سلام نهائي وشامل.
التوترات العسكرية في مياه الخليج
تتزامن المسارات الدبلوماسية مع تصعيد ميداني ملحوظ. فقد أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث عن عبور المدمرتين “فرانك بيترسون” و”مايكل ميرفي” مضيق هرمز لتنفيذ عمليات أمنية في الخليج. وأوضح هيغسيث أن هذه التحركات تأتي ضمن مهمة لضمان خلو المضيق من الألغام البحرية، وهو ما أكدته القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) التي أعلنت بدء تهيئة الظروف لإزالة الألغام. في المقابل، سارعت طهران إلى نفي هذه الرواية، مؤكدة أنها وجهت إنذاراً حازماً لسفينة أمريكية، مما أجبرها على التراجع، ليبقى الوضع الميداني مفتوحاً على كافة الاحتمالات.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع للحدث
تحمل نتائج هذه المحادثات أبعاداً وتأثيرات بالغة الأهمية على مختلف الأصعدة. محلياً، يمثل التوصل إلى اتفاق فرصة لإنعاش الاقتصاد الإيراني المنهك، بينما يشكل إنجازاً دبلوماسياً للإدارة الأمريكية. إقليمياً، تلعب باكستان دوراً محورياً كوسيط يسعى لتعزيز الاستقرار في منطقة تشهد توترات مستمرة، كما أن أمن الخليج العربي يرتبط بشكل مباشر بنتائج هذه الحوارات. أما على الصعيد الدولي، فإن استمرار الجمود أو التصعيد العسكري في مضيق هرمز يهدد بإحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية، ورفع أسعار النفط، وتعطيل سلاسل التوريد، مما يجعل أنظار العالم بأسره تتجه نحو إسلام آباد ترقباً لما ستسفر عنه هذه الجولة الحاسمة.


