في تحول دبلوماسي لافت يحمل أبعاداً سياسية وإقليمية واسعة، أعلنت جمهورية مالي سحب اعترافها رسمياً بما يُعرف بـ«الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية». وتأتي هذه الخطوة لتشكل منعطفاً حاسماً في مسار نزاع الصحراء الغربية، حيث أكدت باماكو في الوقت ذاته دعمها الكامل لمبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها المملكة المغربية، معتبرة إياها «الحل الوحيد الجدي والموثوق» لتسوية هذا الملف الممتد لعقود. جاء هذا الإعلان التاريخي على لسان وزير الخارجية المالي، عبد الله ديوب، خلال مؤتمر صحافي مشترك في العاصمة باماكو مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، مما يعكس تحولاً واضحاً في تموضع مالي السياسي ويؤشر إلى تغيرات أوسع في موازين المواقف الأفريقية.
جذور الأزمة ومساعي التسوية الأممية في نزاع الصحراء الغربية
يُعد هذا الملف من أقدم القضايا المطروحة على طاولة الأمم المتحدة في القارة الأفريقية. تعود بداية الأزمة إلى عام 1975، عقب انسحاب الاستعمار الإسباني من المنطقة وتنظيم المغرب لـ«المسيرة الخضراء» السلمية لاسترجاع أقاليمه الجنوبية. ومنذ ذلك الحين، برزت جبهة البوليساريو، بدعم سياسي وعسكري من الجزائر، لتطالب بالانفصال وتأسيس دولة مستقلة. طوال العقود الماضية، شهدت المنطقة توترات عسكرية ومساعي دبلوماسية مكثفة، تخللها اتفاق لوقف إطلاق النار عام 1991 برعاية أممية. ورغم المحاولات المتكررة لإيجاد حل توافقي، ظلت المواقف متباينة حتى طرح المغرب عام 2007 مبادرة الحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية، والتي حظيت بإشادة دولية واسعة كخيار واقعي وقابل للتطبيق لإنهاء حالة الجمود.
إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في منطقة الساحل وشمال أفريقيا
لا يقتصر القرار المالي على كونه مجرد سحب لاعتراف دبلوماسي، بل يحمل دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز الإطار الثنائي بين الرباط وباماكو. إقليمياً، تأتي هذه الخطوة في سياق توتر متصاعد بين مالي والجزائر، التي تُعد الداعم التقليدي لجبهة البوليساريو والمتمسكة بخيار الاستفتاء. من هذا المنظور، تُقرأ الخطوة المالية كرسالة سياسية مزدوجة: الأولى باتجاه المغرب لتعزيز الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية، خاصة في ظل المبادرة الأطلسية التي أطلقها العاهل المغربي لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي وتسهيل ولوجها إلى المنافذ البحرية؛ والثانية تجاه الجزائر في ظل تباين متزايد في الرؤى الأمنية والسياسية في المنطقة.
زخم دبلوماسي متصاعد يدعم الرؤية المغربية
يندرج هذا التطور المالي ضمن موجة دبلوماسية أوسع شهدتها القارة الأفريقية والمجتمع الدولي ككل. ففي السنوات الأخيرة، أعلنت دول أفريقية وازنة دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي. وترافق ذلك مع افتتاح أكثر من ثلاثين دولة لقنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، مما يعزز من الحضور الدبلوماسي والسيادة المغربية على الإقليم. دولياً، توالى الدعم من قوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وإسبانيا، وفرنسا، التي اعتبرت المبادرة المغربية الأساس الأكثر جدية لحل النزاع. وبذلك، يبدو أن قرار مالي يشكل محطة سياسية جديدة تسهم في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي والدولي، في وقت تتزايد فيه الضغوط لإيجاد تسوية سياسية نهائية تضمن الأمن والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء.


