اختتمت جولة المحادثات الأمريكية-الإيرانية في سويسرا وسط أجواء من التوتر والغموض، حيث ظهر تضارب واضح في الروايات بين واشنطن وطهران بشأن آلية إنفاق الأموال الإيرانية المجمدة التي تم الاتفاق على الإفراج عنها. ورغم إعلان الطرفين عن استمرار المباحثات الفنية، إلا أن الخلاف الجوهري حول شروط استخدام هذه المليارات يلقي بظلال من الشك على مستقبل “خارطة الطريق” التي تهدف إلى التوصل لاتفاق أوسع خلال الشهرين المقبلين.
جذور التوتر: عقود من العقوبات والأصول المجمّدة
تعود قضية الأموال المجمدة إلى عقود من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، والتي اشتدت بشكل كبير بعد قرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018. هذه العقوبات حالت دون وصول طهران إلى مليارات الدولارات من عائدات مبيعاتها النفطية، والتي كانت مودعة في بنوك بدول مختلفة حول العالم. وبالتالي، أصبحت هذه الأصول ورقة ضغط رئيسية في يد الإدارة الأمريكية للتأثير على سياسات إيران النووية والإقليمية. وتأتي المحادثات الأخيرة في سويسرا كمحاولة لإيجاد آلية تسمح لإيران بالاستفادة من بعض هذه الأموال لأغراض إنسانية، مقابل خطوات محتملة من طهران في ملفات أخرى، وهو ما يمثل نقطة الخلاف الحالية.
روايتان متضاربتان حول المليارات
يكمن جوهر الخلاف في الشروط التي يفرضها كل طرف. فمن جانبه، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الأموال الإيرانية التي سيُفرج عنها، والمقدرة بنحو 12 مليار دولار على دفعتين، يجب أن تُستخدم حصراً لشراء المواد الغذائية من المزارعين الأمريكيين. وشدد ترامب على أن هذه الأموال لن تستخدم لإعادة بناء الجيش الإيراني، بل لإطعام الشعب، متوعداً باتخاذ إجراءات حاسمة إذا أساءت إيران التصرف. وعزز هذا الموقف نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي أشار إلى أن المحادثات أرست “أساساً جيداً” لاتفاق سلام نهائي، وأن طهران وافقت على آليات لإدارة أصولها المجمدة.
في المقابل، قدم الجانب الإيراني رواية مختلفة تماماً. ونقلت وكالة “تسنيم” عن محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، نفيه وجود أي التزام بشراء السلع الزراعية من الولايات المتحدة تحديداً. وأكد همتي أن طهران ليست ملزمة بذلك، وأن الأموال ستُستخدم لشراء سلع أساسية وأدوية وسلع أخرى غير خاضعة للعقوبات من أي مصدر تجده مناسباً، مشيراً إلى أن أسعار المنتجات الأمريكية وجودتها إذا كانت تنافسية، فلا مانع من الشراء. وأضاف أن استخدام الدفعة الأولى البالغة 6 مليارات دولار يستند إلى اتفاق موقع مع واشنطن في عام 2023، مما يشير إلى أن طهران تعتبر الشروط الأمريكية الجديدة محاولة لفرض قيود إضافية.
ما وراء سويسرا: تداعيات الخلاف على مستقبل الأموال الإيرانية المجمدة
يحمل هذا الخلاف تداعيات تتجاوز مجرد تفاصيل فنية. فعلى الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي التوصل إلى تفاهم إلى خفض التوتر في ممرات ملاحية حيوية مثل مضيق هرمز، حيث أعلن المفاوض الإيراني كاظم غريب آبادي عن الموافقة على آلية للمرور الآمن للسفن. أما على الصعيد الدولي، فيراقب حلفاء واشنطن وخصومها هذه المفاوضات عن كثب، حيث إن نجاحها قد يفتح الباب أمام دبلوماسية أوسع، بينما قد يؤدي فشلها إلى تصعيد جديد في منطقة الشرق الأوسط. ويبقى مصير هذه المحادثات معلقاً بقدرة اللجان الفنية الأربع التي تم تشكيلها (لإنهاء العقوبات، والشؤون النووية، وإعادة الإعمار، والتنمية الاقتصادية) على جسر الهوة العميقة بين رؤيتي البلدين.


